أبعد من تحذير… واشنطن في رسالة مفتوحة الى الدولة اللبنانية

لم يكن التحذير الذي أطلقته الولايات المتحدة قبل ايام مجرّد إجراء قنصلي روتيني، فهو رسالة سياسية–أمنية بلهجة عالية السقف، وضعت لبنان في أعلى مستوى خطورة.
 التوقيت واللغة المستخدمة جعلا هذا التحذير محطّ قراءة معمّقة في العواصم المعنية بملفات الشرق الأوسط.
ولم تمضِ ساعات حتى لحقت بهذا المسار ألمانيا وأستراليا ثم البرازيل، ما عزّز الانطباع بأنّ التحذير الأميركي سيفتح الباب أمام سلسلة تحذيرات متتالية من دول أخرى قد “تكرّ سبحتها” في أي لحظة، كلّ حسب تقديراته الأمنية لرعاياه ومصالحه في لبنان.

في هذا المقال يحاول “لبنان٢٤” فكّ “شيفرة” التحذير الأميركي الأخطر بين الدول على الصعد كافة:
هل تملك واشنطن معلومات استخباراتية محدّدة عن مخاطر وشيكة؟أم أنّه تقدير استباقي لاحتمال تحوّل لبنان إلى ساحة ردّ في حال أي مواجهة مباشرة مع إيران؟
أم رسالة ضغط سياسية على الدولة اللبنانية في ملف ضبط الجبهة وحصر السلاح؟
المؤكد أنّ لبنان دخل، عمليًا، دائرة المراقبة الدولية المشدّدة، وأنّ أي تصعيد إقليمي قد يدفع دولًا إضافية إلى الانضمام إلى لائحة التحذيرات، بما يعمّق عزلة البلاد ويزيد كلفة أي مغامرة عسكرية على الداخل اللبناني سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا.

بهذا المعنى، يكشف خبير في الأمن الدولي عبر “لبنان٣٤” معلومات حساسة، إذ يعتبر أن التحذير الأميركي لا يُقرأ بوصفه إجراء حماية للرعايا فحسب، بل كرسالة سياسية مباشرة إلى الدولة اللبنانية مفادها أنّ واشنطن تنظر إلى لبنان اليوم كجزء من مسرح المخاطر الإقليمية، لا كمساحة محيّدة يمكن التعويل على استقرارها في حال اندلاع مواجهة كبرى في المنطقة.

ويشير إلى أن التحذيرات الأميركية لم تقتصر على الخارج فحسب، بل كانت داخلية أيضًا، حيث طلبت واشنطن من مواطنيها ولاسيما دبلوماسييها العائدين لقضاء إجازات عدم التوجه إلى لبنان، في خطوة تكشف عدم ثقة الإدارة الأميركية بالدولة اللبنانية والمؤسسة العسكرية.

ويضيف الخبير أن هذا الإجراء يعكس خوف واشنطن من عدم قدرة الجيش على حماية أمن السفارة أو ردع حزب الله في حال قرر الرد من الداخل، خصوصًا مع تزايد احتمالات شن ضربة أميركية على إيران. 

ويرى الخبير ان الإدارة الأميركية مدركة جيدًا أن حزب الله قد يرد، كما تؤكد تصريحات الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم، التي تشدد على استعداد الحزب للرد داخل لبنان إذا استهدفت إيران او مرشدها الأعلى علي خامنئي.

ويشدد الخبير في الأمن الدولي على أن أي تدخل لحزب الله في هذا السيناريو سيكلف لبنان ثمنًا باهظًا على مستوى الرئيس والحكومة، نتيجة الأزمة السياسية والشرعية التي قد تتولد، فضلاً عن الضغط الدولي المحتمل على الدولة.

في هذا السياق، تشير الأوساط الى ان الرئاسة اللبنانية أبلغت حزب الله بأنّه سيتعرض “لإجراء حاسم من الدولة” إذا ورّط لبنان بالحرب، في خطوة تهدف إلى ضبط الموقف الداخلي والحدّ من أي مغامرة قد تجرّ البلاد إلى مواجهة مباشرة.

 لكن حزب الله، يؤكد انه إذا كانت الضربات الأميركية ضد إيران محدودة، فالحزب لا يعتزم التدخل عسكرياً، أما إذا كان الهدف إسقاط النظام الإيراني أو استهداف المرشد الأعلى علي خامنئي، فإن الحزب يعتبر ذلك “خطاً أحمر” يستدعي التدخل المباشر.   

ورغم تراجع قدرات حزب الله بعد حملة إسرائيل عام 2024 وانقطاع خطوط الإمداد، تبقى المخاطر قائمة، خصوصًا مع تزايد التوترات على الحدود ومع احتفاظ الحزب بوجود عسكري شمال الليطاني. 
وتشير التقديرات إلى أن حصر السلاح في لبنان يحتاج سنوات طويلة لتحقيق نتائج ملموسة، ما يجعل أي تصعيد مرتقب يحمل تداعيات مباشرة على لبنان وسيادته ومؤسساته السياسية.

في هذا السياق، يظل لبنان، مراقبًا لكل تصريح وخطوة من قبل الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل، وسط مخاوف من أن تتحول أي مواجهة محدودة إلى مواجهة أشمل، قد تكلف لبنان حربا لا يريد تكرراها.

مفاوضات قائمة وترجيحات بحرب موجّهة 

وسط هذه الأجواء، يتبين أن ما يجري حتى الآن لا يُعتبر حربًا شاملة، بل يندرج ضمن إطار حرب موجّهة تعتمد على ضربات محدودة ومركّزة، وتقول مصادر عسكرية عبر “لبنان٢٤” إن اسلوب الهجوم سيبقى ضمن الغارات والاستهدافات الموضعية من دون اجتياح بري.

وفي موازاة التحذيرات الدولية والتصعيد الميداني، تتقدّم المواجهة بين واشنطن وطهران على خطّ الملف النووي بوتيرة متسارعة. ووفق معلومات متداولة في الأوساط السياسية الغربية، تتّجه واشنطن إلى طرح شروط قاسية في أي تسوية محتملة، من بينها تفكيك ثلاثة مواقع نووية إيرانية وتسليم مخزون اليورانيوم المخصّب، في مؤشر إلى انتقال المفاوضات من منطق “الضبط والاحتواء” إلى منطق “نزع القدرة النووية”.

ويتقاطع هذا التفاوض، مع انتشار كثيف للطيران العسكري الأميركي في الشرق الأوسط، وتوزّعه على قواعد أساسية في قطر والأردن والسعودية، إضافة إلى تمركز جناحين جويين على حاملتي الطائرات USS Abraham Lincoln وUSS Gerald R. Ford، ما يعكس انتقال واشنطن من مرحلة التهديد السياسي إلى مرحلة الجهوزية العملياتية. هذا النوع من الانتشار يُستخدم للقول إن الجهوزية ضغط مباشر على طهران في سياق الملف النووي، ورسالة طمأنة للحلفاء في المنطقة بأن خيار القوة حاضر على الطاولة.

 ولبنان، بحكم موقعه ضمن ساحات النفوذ الإقليمي المتداخلة، يبقى مرشّحًا لأن يكون ساحة ارتداد لأي مواجهة أميركية – إيرانية محدودة. فالتصعيد، إن حصل، غالبًا لن يبدأ بضربة شاملة على إيران بقدر ما سيتخذ شكل رسائل أمنية متبادلة عبر الساحات “الأخف كلفة”، ولبنان في مقدّمتها. وعليه، فإن ارتفاع منسوب الجهوزية العسكرية الأميركية في المنطقة لا يُقرأ فقط في إطار الصراع مع طهران، بل في سياق أوسع من إدارة التوازنات الإقليمية عبر الضغط بالنار من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة.