إنفانتينو يخسر الحلفاء ولا يخسر الانتخابات… كيف تُحكم كرة القدم؟

في مساحة أسابيع قليلة، رأى جياني إنفانتينو حلفاءه التاريخيين ينقصون من حوله واحداً تلو الآخر. إنكلترا وسكوتلندا وويلز وأيرلندا سحبت دعمها، بلجيكا وضعت شروطاً، فرنسا تراجعت عن مساندته، وهولندا والدنمارك وجّهتا انتقادات علنية نادرة لرئيس الاتحاد الدولي. حتى مشروعه الاقتصادي الأكبر، خطة بيع 20% من الحقوق التجارية لمسابقات “فيفا” مقابل نحو 4.2 مليار دولار عبر شركة “فيفا فورورد إنتربرايز”، انهار خلال أربعة أيام فقط بعدما هدد الاتحاد الأوروبي “يويفا” بمقاطعة كأس العالم وكل بطولات فيفا. ومع ذلك، وبينما تلوح في الأفق انتخابات رئاسة “فيفا” في اذار 2027 بمدينة الرباط، لا أحد في كرة القدم يراهن جدياً على سقوط إنفانتينو. هذا التناقض بالذات هو المدخل الحقيقي لفهم كيف تُحكم كرة القدم العالمية اليوم.

 
خطة انهارت في أربعة أيام
في 28 تموز 2026 أعلن “فيفا” عن تأسيس كيان تجاري مستقل يتولى إدارة حقوق البث والرعاية والتذاكر الخاصة ببطولاته، مع طرح ما يصل إلى 20% من أسهمه أمام مستثمرين من القطاع الخاص، بتقييم قارب 20 مليار دولار بمساعدة “جيه بي مورغان”. كانت الفكرة، على الورق، تمويلاً إضافياً لتطوير كرة القدم حول العالم. وكشفت تقارير صحفية أن إنفانتينو نفسه كان سيحصل على راتب يتجاوز 30 مليون يورو ومكافآت مرتبطة بالمشروع، في وقت يتقاضى فيه أصلاً نحو 3 ملايين يورو سنوياً كرئيس لمنظمة غير ربحية. اعتُبر ذلك دليلاً على أن الخصخصة لم تكن لتطوير اللعبة بقدر ما كانت لتكريس نفوذ شخصي داخل بنية مالية جديدة تفلت جزئياً من الرقابة التقليدية للاتحادات.
 
الرد جاء سريعاً وقاسياً: “يويفا” هدد بمقاطعة كل مسابقات فيفا، ومسؤولون بارزون داخل المنظمة لوّحوا بالاستقالة، وتحدثت تقارير عن تحرك أوروبي لطلب مؤتمر استثنائي بدعم من 43 اتحاداً لسحب الثقة من إنفانتينو مباشرة. مساء 31 تموز، أي بعد ثلاثة أيام فقط من الإعلان، أقرّ إنفانتينو بأن المشروع “لن يستمر”. القصة لم تنتهِ هناك؛ إذ تتحدث تقارير لاحقة عن أن “يويفا” يدرس فتح ملف جنائي في سويسرا، حيث يقع المقر القانوني لـ”فيفا”، بشأن الطريقة التي أُديرت بها الخطة.
 
هذه الحلقة كشفت شيئاً مهماً، فعندما تتحرك أوروبا ككتلة موحّدة ومهددة بالمقاطعة الفعلية، فإنها لا تزال قادرة على كبح إنفانتينو خلال أيام. لكن السؤال الأهم هو: لماذا لا تُترجَم هذه القدرة على كبح مشروع واحد إلى قدرة على إسقاط الرجل نفسه من منصبه؟ الجواب يكمن في البنية الانتخابية لـ”فيفا” ذاتها.

 
صوت واحد لكل دولة
النظام الذي يحكم انتخابات رئاسة “فيفا” بسيط في ظاهره وشديد التأثير في جوهره، فكل اتحاد وطني عضو، بصرف النظر عن حجمه السكاني أو ثقله الكروي أو مساهمته المالية، يملك صوتاً واحداً متساوياً في المؤتمر العام. صوت جزر فيرو أو ساموا الاميركية أو سان مارينو يوازي تماماً صوت ألمانيا أو البرازيل أو إنكلترا. من أصل 211 اتحاداً عضواً، يحتاج أي مرشح للفوز إلى نصف الأصوات تقريباً، أي نحو 106 صوتاً، وحتى لخوض السباق رسمياً يحتاج إلى تأييد معلن من 106 اتحادات قبل إغلاق باب الترشح.
 
هذا النظام، الذي صُمم أصلاً بمنطق ديمقراطي لمنع هيمنة القارات الكبرى على حوكمة اللعبة، تحوّل مع الوقت إلى أداة قوة بيد رئيس يعرف كيف يوزّع الموارد. فمنذ توليه المنصب عام 2016، ضاعف إنفانتينو برنامج “فيفا فوروارد” الذي يوزّع مساعدات مالية مباشرة على الاتحادات الوطنية، خصوصاً الصغيرة منها في أفريقيا وآسيا وأوقيانوسيا والكاريبي، تحت بند “تطوير كرة القدم”. هذه الاتحادات، التي غالباً ما تعاني ميزانيات محدودة وبنى تحتية هشة، تجد في هذه المنح مورداً حيوياً لا بديل عنه، وهو ما يجعل ولاءها لرئيس “فيفا” مسألة مصلحة مباشرة أكثر منها موقفاً سياسياً. وحين يذهب إنفانتينو في جولاته الخارجية ليُبرز أمام هذه الاتحادات حجم الأموال التي جمعها الاتحاد الدولي والاستثمارات التي ضخّها فيها، فهو فعلياً يذكّرها بمن يمسك بمفاتيح تمويلها المستقبلي.
 
النتيجة أن القارة التي تملك أكبر عدد من الأندية والدوريات ذات القيمة التجارية والجماهيرية، أوروبا، لا تملك من الأصوات في المؤتمر العام إلا حصة محدودة نسبياً مقارنة بوزنها الكروي والاقتصادي. خمسة وخمسون اتحاداً أوروبياً مقابل أكثر من خمسين اتحاداً أفريقياً وأكثر من ستة وأربعين اتحاداً آسيوياً، عدا أوقيانوسيا وكونكاكاف والكونميبول. حتى لو اتحدت أوروبا بالكامل خلف مرشح واحد، فإنها تحتاج إلى تحالف عابر للقارات ليصل إلى عتبة الفوز، وهو تحالف يصعب بناؤه في مواجهة رئيس يتحكم بصنابير التمويل التي تعتمد عليها بقية القارات.
 
لماذا لا يجرؤ أحد على الترشح؟
هنا تكمن المفارقة الأعمق. فبحسب ما نقل وسائل إعلام عالمية، فإن أي منافسة رسمية ضد إنفانتينو تحمل في ذاتها مخاطرة استراتيجية: إذا خاض مرشح أوروبي أو مدعوم من “يويفا” الانتخابات وخسر، فإن ذلك سيمنح إنفانتينو تفويضاً شعبياً موثّقاً بالأرقام، ويُضعف أي محاولة مستقبلية لتقليص صلاحياته أو الضغط عليه من الداخل. بعبارة أخرى، تحدي إنفانتينو والخسارة أمامه قد يُحكم قبضته بدلاً من أن يزعزعها. هذا الحساب هو ما يفسر جزئياً لماذا ظلت كل الأسماء المطروحة كبدائل محتملة، من رئيس نادي باريس سان جيرمان ناصر الخليفي إلى رئيس اتحاد “كونكاكاف” فيكتور مونتالياني ورئيس الاتحاد الأفريقي باتريس موتسيبي، إما نافية نيتها الترشح أو مترددة في الإعلان الرسمي، رغم أن باب الترشيحات يُغلق في 18 تشرين الثاني 2026.
 
في المقابل، أعلن إنفانتينو نفسه أنه سيخوض الانتخابات المقبلة لولاية رابعة تمتد حتى 2031، مستنداً إلى تفسير قانوني مثير للجدل مفاده أن ولايته الأولى بين 2016 و2019 لم تكن “كاملة” لأنها جاءت لاستكمال ولاية سلفه سيب بلاتر، وبالتالي لا تُحتسب ضمن الحد الأقصى المنصوص عليه في النظام الأساسي وهو ثلاث ولايات من أربع سنوات لكل منها. هذا التأويل، الذي لم يواجه حتى الآن طعناً قانونياً حاسماً يوقفه، يمنحه غطاءً شكلياً للاستمرار إلى جانب الغطاء الفعلي الذي توفره له أغلبية الاتحادات الصغيرة.
 
خلاصة المشهد أن “فيفا” اليوم تُدار بمنطق مزدوج: من جهة، سلطة تنفيذية مركزية قوية بيد الرئيس، قادرة على طرح مشاريع مالية ضخمة بمليارات الدولارات بمبادرة شبه فردية؛ ومن جهة أخرى، بنية تصويت لامركزية بالكامل تمنح كل دولة، مهما صغر حجمها الكروي، وزناً متساوياً في تحديد من يشغل هذا المنصب. حين تتقاطع هاتان الحقيقتان، تنشأ معادلة يمكن أن يخسر فيها الرئيس معركة سياسية بعينها، كما حدث مع خطة الخصخصة، من دون أن يخسر السلطة نفسها، لأن معركة الشرعية الانتخابية تُحسم في مكان آخر تماماً، بعيداً عن ملاعب أوروبا الكبرى وغرف مجالس إداراتها، وأقرب إلى اتحادات لا تملك أحياناً أكثر من ملعب وطني واحد وميزانية سنوية متواضعة، لكنها تملك ما لا تملكه إنكلترا أو ألمانيا أو فرنسا: صوتاً يوازن كل شيء.