ولا تفترض هذه المساءلة أن رئيس الحكومة يستطيع تنفيذ الإصلاحات منفردًا، أو أن الملفات المؤجلة منذ عقود يمكن حسمها خلال أشهر، خصوصًا وسط الأزمات الأمنية والمالية. لكنها تستدعي التمييز بين ما يحتاج إلى مسار وطني وتشريعي واسع، وما تملك الحكومة أدوات مباشرة للتقدم فيه. وبين هذين المستويين، يبرز السؤال: أين تبدأ مسؤولية سلام وحكومته عن استكمال الطائف، وكيف تُقاس خطواتهما بعيدًا عن تحميلهما كل التعثّر أو إعفائهما منه؟
إصلاحات تتوزّع مسؤوليتها
يبدأ هذا التمييز من مجلس الشيوخ، الذي لا يشكّل استحداثه بندًا مستقلًا تستطيع الحكومة إقراره متى قررت ذلك. فالمادة 22 من الدستور تربطه بانتخاب أول مجلس نواب على أساس وطني لا طائفي، على أن تتمثل فيه العائلات الروحية وتنحصر صلاحياته بالقضايا المصيرية. وهذا يعني أن البحث فيه يتصل حتمًا بقانون الانتخاب وبكيفية الانتقال إلى تمثيل نيابي خارج القيد الطائفي.
كذلك، تحدد المادة 95 مسؤوليات واضحة في مسار إلغاء الطائفية السياسية، إذ تنيط بمجلس النواب المنتخب على أساس المناصفة اتخاذ الإجراءات الملائمة لتحقيق هذا الهدف وفق خطة مرحلية، وتشكيل هيئة وطنية برئاسة رئيس الجمهورية، تضم رئيسَي المجلس والحكومة وشخصيات سياسية وفكرية واجتماعية. فالملف ليس في عهدة السراي وحده، وإن كان رئيس الحكومة شريكًا أساسيًا فيه. ومن هنا، تصبح مساءلته مرتبطة بما يبادر إليه لتحريك هذا المسار مع الرئاستين والقوى النيابية، بدل تحميله وحده مسؤولية تعثّر مشروع تتوزع صلاحياته بين مؤسسات عدة.
أما اللامركزية الإدارية الموسعة، فتتيح للحكومة مجالًا أوضح للمبادرة، وإن كان إقرار إطارها القانوني يحتاج إلى مجلس النواب. تستطيع الحكومة تحديد موقفها من الصيغ المطروحة، ومناقشة توزيع الصلاحيات والموارد والرقابة، والدفع نحو معالجة نقاط الخلاف. فاللامركزية لا تتحقق بمجرد نقل مسؤوليات إلى المناطق من دون تمويل وقدرات إدارية، كما لا تتقدم بتكرار التأييد المبدئي لها. والاختبار هنا هو مقدار ما تستطيع الحكومة تحويله إلى خيارات محددة قابلة للنقاش والإقرار، مع إعلان مواضع التعثر والمسؤولية عنها.
التعيينات امتحان داخل الحكومة
وقد حدّد سلام نفسه حدود هذه الخطوة، حين أقرّ أمام مجلس النواب في 16 أيلول بأن آلية التعيينات ستبقى غير مكتملة ما لم تحصل المداورة وتُتجاوز القيود الطائفية. وهذا يتيح تقييمًا أدق للحصيلة: إقرار الآلية خطوة إجرائية فعلية، لكنه لا يكفي لإثبات انتهاء تخصيص المواقع لطوائف محددة. وتزداد أهمية هذا الإقرار مع انتقاده، في كلمته الأخيرة، تمدّد التمثيل الطائفي إلى مختلف فئات الإدارة. فمجلس الوزراء معنيّ هنا بمعالجة ممارسة يشخّصها رئيسه، ويُقاس التقدم باحترام شروط التعيين وإتاحة المنافسة وعدم التعامل مع الوظيفة باعتبارها ملكًا ثابتًا لطائفة أو حصة لفريق سياسي.
ولا تقع هذه المسؤولية على سلام منفردًا، فالقرارات تصدر عن مجلس الوزراء، ويشارك الوزراء في اقتراح الأسماء ومناقشتها. لكن رئاسة الحكومة تمنحه موقعًا أساسيًا في تحديد الأولويات ومتابعة تنفيذ القرارات والدفاع عن المعايير التي أعلنتها حكومته. ومن هذا الباب، يمكن تحويل الدعوة إلى استكمال الطائف إلى برنامج يمكن تقييمه: إجراءات إدارية تتولاها الحكومة، ومشاريع تحتاج إلى تشريع، ومسائل تستدعي تفاهمًا أوسع. أما جمعها جميعًا تحت عنوان الإصلاح، من دون توضيح ما تحقق وما تعثر، فيجعل المساءلة صعبة ويترك لكل طرف مساحة لإحالة المسؤولية إلى غيره.
تبدأ مسؤولية سلام وحكومته، إذًا، من استخدام الأدوات التي يملكانها، ومن توضيح ما يبادران إليه في الملفات المشتركة مع المؤسسات الأخرى. ففي التعيينات، توجد خطوة إجرائية فعلية، لكن إقرار سلام بعدم اكتمالها يحدّد حدود الإنجاز؛ وفي الإصلاحات الأوسع، لا تعفي الصلاحيات المشتركة الحكومة من واجب المبادرة والمتابعة. وبعد نحو عشرين شهرًا على تشكيلها، يصبح عرض هذه الحصيلة، بما تتضمنه من تقدم وعوائق، جزءًا من مسؤوليتها. بذلك يُقاس خطاب استكمال الطائف بما تفعله كل مؤسسة ضمن صلاحياتها، وبما تبذله لتحريك ما يتجاوزها.












اترك ردك