ولا تتحسن الصورة كثيراً عند احتساب الإحالات، فالدولة لم تقدّم أي بيانات عن عدد الضحايا الذين أحالتهم إلى الخدمات، بل جاء الرقم من المنظمات نفسها، التي أفادت بأنّ جهات رسمية أحالت إليها 108 ضحايا من أصل 809، أي نحو 13%، ما يعني أنّ الدولة تصل إلى ضحية واحدة تقريباً من كل سبع ضحايا، فيما يصل المجتمع المدني إلى الباقين بجهوده الخاصة، والأكثر دلالة أنّ مفتشي وزارة العمل لم يُحيلوا أي ضحية، رغم أنّ العمل القسري هو الشكل الأكثر انتشاراً للاتجار في لبنان.
وعلى المستوى القضائي، سجّل التقرير تحسناً نسبياً، إذ أدانت المحاكم 13 “متاجراً” عام 2025 بعدما لم تُسجَّل أي إدانة في العام السابق، لكن هذه الأرقام تبقى متواضعة قياساً بحجم الظاهرة، في ظل وحدة متخصصة في قوى الأمن الداخلي لا يتجاوز عدد ضباطها 25 لتغطية الجرائم الجنسية و”الاتجار” على امتداد البلاد، وغياب أي ملاحقة لموظفين متورطين، وميل المسؤولين إلى معالجة قضايا العاملات الأجنبيات عبر التسوية بين صاحب العمل والعاملة بدل إحالتها إلى القضاء.
ويربط التقرير هذا الخلل بعوامل بنيوية لا تتعلق بالحرب وحدها، فلبنان لا يملك قانوناً يجرّم مصادرة جوازات سفر العمال، وهي ممارسة يعتبرها التقرير مؤشراً واضحاً على الاتجار، ويؤكد أنّ معظم أصحاب العمل يحتفظون بجوازات العاملات المنزليات، فيما يبقى نظام الكفالة عائقاً أمام حماية الضحايا، كما لا توجد حتى الآن خطة وطنية أو لجنة رسمية لمكافحة الاتجار، إذ لا يزال إنشاء اللجنة الوطنية التي يُفترض أن تشرف على تطبيق الإجراءات الجديدة لتحديد الضحايا معلّقاً على قرار من مجلس الوزراء، بعدما أُقرّت هذه الإجراءات في أيار 2025.
وفي المقابل، تتسع رقعة الفئات المعرّضة للاستغلال، فالحرب التي هجّرت أكثر من مليون شخص، والانهيار الاقتصادي المستمر، رفعا هشاشة اللبنانيين أنفسهم، إذ تزايد عمل الأطفال القسري بين اللاجئين السوريين في الزراعة والبناء والتسول، وإلى استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لاستدراج أطفال لبنانيين وأجانب، فضلاً عن عروض عمل وهمية تستهدف المهاجرين عبر مجموعات “واتساب” وصفحات “فيسبوك”، فيما ساعدت المنظمات وحدها على إعادة 462 ضحية أجنبية إلى بلدانهن.
ومن هنا، لا تكمن المشكلة في غياب القوانين بقدر ما تكمن في غياب أدوات الرصد، فالدولة التي تتعرّف إلى 12 ضحية فقط بينما تساعد المنظمات المئات، تبدو عاجزة عن رؤية الظاهرة قبل أن تحاسب عليها، ما يجعل مكافحة الاتجار في لبنان عملياً مسؤولية المجتمع المدني أكثر منها مسؤولية الدولة.
الاتجار بالبشر في لبنان.. الدولة “عمياء” أمام أخطر جريمة!

أبقى تقرير وزارة الخارجية الأميركية حول “الاتجار بالأشخاص” لعام 2026 لبنان في “المستوى الثاني”، معتبراً أنّ الحكومة لا تستوفي بالكامل المعايير الدنيا لمكافحة “الاتجار” رغم تسجيل تقدّم، غير أنّ الأرقام الواردة فيه تكشف فجوة واسعة بين ما تراه الدولة وما يجري فعلاً على الأرض، إذ قدّمت المنظمات غير الحكومية المساعدة لـ809 ضحايا، فيما لم تتعرّف الأجهزة الرسمية بنفسها إلا إلى 12 ضحية، بينهن 10 نساء في قضايا استغلال جنسي وفتاتان، أي أقل من 2% من مجموع الضحايا الذين وصلت إليهم المنظمات.
ما رأيك؟
رائع0
لم يعجبني0
اعجبني0
غير راضي0
غير جيد0
لم افهم0
لا اهتم0











اترك ردك