وبحسب الصحيفة: “أظهرت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب من خلال مذكرة التفاهم استعدادها لتخفيف العقوبات المفروضة على إيران بشكل كبير، وتضمنت بنودها ترخيصًا عامًا سمح لإيران ببيع النفط بالدولار لأول مرة منذ عقود، كما رُفع الحصار العسكري الأميركي، وبدأت المفاوضات بشأن الإفراج عن مليارات الدولارات من الأصول الإيرانية المجمدة أو المقيدة، وتضمنت المذكرة أيضًا صندوقًا استثماريًا بقيمة 300 مليار دولار للتنمية الاقتصادية وإعادة إعمار البلاد كجزء من التسوية النهائية. لكن هذه اليد الأميركية الممدودة قوبلت مرة أخرى بقبضة إيرانية مشدودة. وفي الواقع، هذه ليست المرة الأولى؛ فمنذ عام 1979، انخرطت الحكومة الأميركية، في المفاوضات في ظل إدارات متعددة، مع الجمهورية الإسلامية على أمل تحسين العلاقات، ولكن دون جدوى. وخلال إدارة جيمي كارتر، قاد رئيس موظفي البيت الأبيض، هاميلتون جوردان، جهودًا دبلوماسية سرية مع وزير الخارجية الإيراني، صادق قطب زاده، لإطلاق سراح الدبلوماسيين الأميركيين المحتجزين كرهائن. أُعدم قطب زاده لاحقًا، وبينما أُطلق سراح الرهائن في نهاية المطاف، واصلت طهران ملاحقة الأميركيين”.
وتابعت الصحيفة: “خلال إدارة رونالد ريغان، انهارت مساعي البيت الأبيض مع ايران بشأن الأسلحة مقابل الرهائن في فضيحة مدوية. وفي عام 1989، وبعد أن تعهد الرئيس آنذاك جورج بوش الأب بمقولة “حسن النية يولد حسن النية”، وبدا متفائلًا بحذر بشأن وصول علي أكبر هاشمي رفسنجاني إلى الرئاسة نظرًا لميوله البراغماتية، ردت إيران بمزيد من الدعم للإرهاب الذي أودى بحياة مواطنين أميركيين. وخلال إدارة بيل كلينتون، رفضت طهران الجهود الأميركية للحوار، رافضةً لقاء وزير الخارجية والرئيس الإيرانيين خلال زياراتهما للأمم المتحدة في نيويورك. ورغم أن الرئيس جورج دبليو بوش أذن بإجراء محادثات ثنائية عام 2007 -للمرة الأولى منذ عقود، بشأن عمليات قتل جنود أميركيين في العراق بدعم من إيران، إلا أن الأخيرة واصلت مهاجمة الأميركيين في أنحاء المنطقة. ولم يُقيد توقيع الرئيس باراك أوباما على الاتفاق النووي مع إيران قدراتها النووية إلا مؤقتًا، بينما موّل فيلق القدس التابع لها عبر تخفيف العقوبات، وغذّى رغبتها في تمويل الميليشيات والصواريخ. كما ورفضت طهران عروضًا متكررة من إدارة جو بايدن لإحياء الاتفاق النووي الذي أبرمه أوباما والذي انسحب منه الرئيس دونالد ترامب في ولايته الأولى”.
وأضافت الصحيفة: “رغم أن ترامب قد سعى أيضاً إلى الدبلوماسية مع طهران، إلا أنه يختلف عن أسلافه؛ فلم يجمع أي منهم بين الضغط العسكري والاقتصادي الكبير، بل ركزوا على الجانب الاقتصادي متجاهلين الجانب العسكري. وقد حاولت إيران إعادة رسم قواعد المنطقة من خلال فرض سيادتها الأحادية على مضيق هرمز، والرد بقوة على فرض الولايات المتحدة قيوداً على حرية الملاحة، وشن هجمات على إسرائيل رداً على محاولاتها تحييد “حزب الله”. وينظر الاستراتيجيون الإيرانيون، مثل محسن رضائي، المستشار العسكري للمرشد الأعلى، إلى مضيق هرمز باعتباره أحد أهم الأصول الاستراتيجية للنظام، بل “أكثر أهمية من عشرات القنابل النووية”؛ إلا أن هذا لم يردع الولايات المتحدة تمامًا عن شنّ ضربات على الأراضي الإيرانية. وكما حذر الراحل علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، فإن إغلاق مضيق هرمز ورقة لا يمكن استخدامها بفعالية إلا مرة واحدة. وعلى المدى البعيد، تتضاءل أهميته مع بدء جيران إيران في تطوير بدائل تتجاوز مضيق هرمز”.
وبحسب الصحيفة: “يُعزى انهيار مذكرة التفاهم، وفقًا للرأي السائد، إلى أخطاء في الصياغة، وسوء المفاوضات، وانعدام الثقة بين الأطراف؛ لكن هذا تفسير خاطئ، فقد انهار الاتفاق بسبب طبيعة النظام الإيراني كدولة منبوذة دوليًا، ومتنمر إقليمي، وجهاز قمع داخلي لا يسعى للسلام. وكما صرّح ترامب مؤخرًا في برنامج إذاعي، كانت مذكرة التفاهم بمثابة اختبار لإيران، وقد فشلت فيه. لا ينظر النظام في إيران إلى الدبلوماسية كوسيلة لحل المشاكل مع الولايات المتحدة كما تفعل واشنطن، بل ينظر إليها كامتداد لصراعه مع أميركا. وتعددت انتهاكات النظام الإيراني لمذكرة التفاهم؛ فقد واصل مهاجمة السفن العابرة لمضيق هرمز، وأثارت منظومته الإعلامية والعسكرية حالة من عدم اليقين بشأن وضع المضيق، وهدد بقتل مواطنين أميركيين، وحرض الحرس الثوري “حزب الله” على إطلاق النار على إسرائيل، واستمر في بناء منشآت نووية مثل جبل بيك آكس، على الرغم من بنود مذكرة التفاهم التي تنص على الحفاظ على الوضع الراهن للبرنامج النووي الإيراني. وقد ردت الحكومة الأميركية بحق على هذه الانتهاكات، وحُسم مصير مذكرة التفاهم”.
وتابعت الصحيفة: “ينبغي محاسبة المسؤولين الإيرانيين الذين تعاونت معهم الولايات المتحدة شخصيًا؛ فقد منحتهم الحكومة الأميركية حصانة مؤقتة خلال المفاوضات الدبلوماسية، لكنهم لم يلتزموا بها. وتشير التقارير إلى أن الحكومة الأميركية ستشدد العقوبات على قادة الحرس الثوري الإيراني الفاسدين؛ وكبداية، ينبغي فرض عقوبات أميركية على رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي. وقد أفلت قاليباف من العقوبات الأميركية حتى الآن، وهو مرشح رئيسي للعقوبات بموجب عدة سلطات، بما في ذلك انتهاكات حقوق الإنسان التي تعود إلى فترة خدمته في مجلس الأمن القومي الإيراني عندما أصدر المجلس أمرًا باستخدام الذخيرة الحية ضد الإيرانيين المتظاهرين في كانون الثاني. كما وينبغي فرض عقوبات على عراقجي أيضاً لانتمائه إلى منظمة إرهابية أجنبية، وهي الحرس الثوري الإيراني. وكما فُرضت عقوبات على جواد ظريف عام 2019 حين كان وزيراً للخارجية، ينبغي إدراج عراقجي ضمن هذه العقوبات. أما المرشد الأعلى مجتبى خامنئي، الذي سبق أن فرضت عليه الولايات المتحدة عقوبات، فينبغي توجيه الاتهام إليه في إطار تحقيق تجريه وزارة العدل الأميركية حالياً في مزاعم غسل الأموال”.
وختمت الصحيفة: “يرى منتقدو ترامب أنه يفتقر إلى استراتيجية، لكن استراتيجيته كانت ثابتة طوال الوقت: استراتيجية دبلوماسية قسرية. يعرض الرئيس مطالبه، ويمنح إيران مخرجاً، ويحدد أحياناً مهلة، ويختبر مدى استعدادها للانخراط، وإذا لم تفعل ذلك بحسن نية، حينها يتدخل. إن مذكرة التفاهم الملغاة ليست سوى حلقة أخرى في هذه المناورة الدبلوماسية القسرية، وستستمر حتى تتحقق أهداف الولايات المتحدة”.












اترك ردك