وبغض النظر عن قرار التمديد، الذي كان واردًا حتى قبل بداية الحرب الإسرائيلية المدمّرة والشرسة على لبنان، أقّله لمدّة شهرين لأسباب كثيرة، ومن بينها عدم وضوح الرؤية لدى السلطتين التشريعية والتنفيذية عن كيفية إجراء هذه الانتخابات بطرق دستورية، فإن له مساوئ كثيرة، وبالأخصّ عندما يكون هذا التمديد طويل الأجل (سنتان). وقد يكون من بين أسوأ مساوئ التمديد أنه يعني تمديد الأزمة وتأجيل الحلول وإبقاء القديم على قدمه. وهذا يعني أيضًا منع لبنان واللبنانيين من الخروج من عنق زجاجة أزماتهم المستعصية على الحل، والتي ضاعفتها هذه الحرب أضعافًا مضاعفة، مع ما سينتج عنها من خسائر بشرية ومادية لا يمكن تعويضها.
وأسوأ هذه المساوئ أن هذا المجلس، الذي عجز عن فصل الخيط الأبيض عن الخيط الأسود بالنسبة إلى قول كلمة الفصل في كثير من الملفات الإصلاحية الضرورية، لن يستطيع أن يواكب مرحلتي الحرب وما بعد الحرب برزمة من التشريعات الضرورية، التي يمكن أن يُوحى بها للعالم عن جدّية التعاطي مع الملفات الكبرى بمسؤولية ووعي تامين.
إن أخطر ما في هذا التمديد “الطويل العمر” للمجلس النيابي الحالي، في رأي كثيرين، لا يقتصر فقط على كونه التفافًا على استحقاق دستوري يفترض أن يُجدّد من خلاله اللبنانيون ثقتهم بممثليهم، بل يتعداه إلى تكريس سابقة خطيرة تضرب ما تبقى من ثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة. فكل تمديد جديد لا يعني سوى رسالة واضحة مفادها أن الطبقة السياسية عاجزة عن احترام المهل الدستورية، أو أنها لا ترغب أصلًا في الاحتكام إلى صناديق الاقتراع عندما تشعر بأن المزاج الشعبي لم يعد في صالحها.
وما يزيد من خطورة هذا المسار أن التمديد يأتي في ظرف دقيق يعيش فيه لبنان واحدة من أكثر أزماته السياسية والأمنية والاقتصادية تعقيدًا، الأمر الذي يجعل الحاجة إلى تجديد الشرعية الشعبية للمؤسسات أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. فالمجلس الحالي، الذي انتُخب في ظروف سياسية مختلفة تمامًا عمّا يعيشه اللبنانيون اليوم، لم يعد قادرًا على الادّعاء بأنه يعكس بدقة التوازنات الفعلية في الشارع اللبناني بعد كل التحولات التي شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة.
ومن هنا، فإن التذرع بالظروف الأمنية أو اللوجستية لتبرير التمديد الطويل الأمد لا يبدو مقنعًا لكثير من اللبنانيين، خصوصًا أن التجربة السابقة أظهرت أن مثل هذه الحجج غالبًا ما تُستخدم لتأجيل الاستحقاقات بدلًا من العمل على تأمين الظروف المناسبة لإجرائها. وفي بلد اعتاد سياسيّوه الهروب إلى الأمام كلما اقترب موعد المحاسبة الشعبية، يصبح التمديد أشبه بمحاولة جديدة لكسب الوقت أكثر منه حلًا حقيقيًا لمشكلة قائمة.
إن أي خطوة في اتجاه التمديد الطويل للمجلس النيابي لن تُفسَّر إلا على أنها انتكاسة إضافية لمسار الحياة الديمقراطية في لبنان، ورسالة سلبية إلى الداخل والخارج على حد سواء بأن الطبقة الحاكمة ما زالت تفضّل حماية مواقعها السياسية بدلًا من إعادة إنتاج السلطة عبر الآليات الدستورية الطبيعية.
فالتجارب السابقة مع المجالس النيابية الممدَّد لها لا تشجّع على كثير من التفاؤل. ففي كل مرة كان يُقال إن التمديد إجراء استثنائي فرضته الظروف، كانت النتيجة دائمًا واحدة: مزيد من الجمود السياسي ومزيد من تآكل الثقة بين اللبنانيين ومؤسساتهم الدستورية. فالمجلس الذي يفقد عنصر المحاسبة الشعبية المباشرة يفقد معه جزءًا كبيرًا من حيويته وقدرته على المبادرة، ويتحوّل تدريجيًا إلى مؤسسة تدير الوقت بدلًا من أن تدير الأزمات.
وفي بلد يعيش واحدة من أخطر مراحله منذ تأسيسه، لا يبدو أن ترف الوقت متوافر أصلًا. فلبنان، الغارق في حرب مدمّرة، يحتاج إلى سلطة تشريعية متجددة تمتلك شرعية شعبية واضحة وقدرة على اتخاذ قرارات جريئة في ملفات الإصلاح وإعادة الإعمار وإعادة بناء الثقة مع المجتمعين العربي والدولي. أما الإبقاء على الواقع نفسه من خلال تمديد طويل الأمد، فلن يعني في نظر كثيرين سوى تكريس العجز نفسه وإعادة إنتاج الأزمة نفسها بوجوهها القديمة.
ومن هنا، فإن أخطر ما في التمديد الطويل غير المبرّر لمجلس غير منتج وعاجز ليس فقط أنه يؤجّل الانتخابات، بل أنه يؤجّل أيضًا فرصة التغيير التي ينتظرها اللبنانيون منذ سنوات. فالديمقراطية، مهما تعثّرت، تبقى المسار الوحيد لتجديد الحياة السياسية. وكلما طال تعطيل هذا المسار، ازداد الشعور بأن الأزمة في لبنان لم تعد أزمة مؤسسات فحسب، بل أزمة ثقة عميقة بين شعبٍ يتطلع إلى التغيير وطبقة سياسية تبدو، مرة جديدة، كأنها تفضّل الهروب من امتحان صناديق الاقتراع وتجديد ثقة الناس بها.












اترك ردك