وعليه، تتزايد المعطيات التي تشير إلى تحركات عسكرية لافتة على الجانب السوري من الحدود، إذ تحدثت تقارير عن انتشار قوات تابعة للحكومة السورية الجديدة في نطاق جغرافي يمتد من طرطوس وحمص وصولاً إلى ريف القصير والمناطق المتاخمة للحدود اللبنانية. ويبدو أن هذا الانتشار يتركز في نقاط مقابلة لسهل البقاع، حيث يتمتع حزب الله بحضور عسكري وشعبي واسع، ما يفتح الباب أمام جملة من السيناريوهات المتباينة حول طبيعة هذه التحركات وأهدافها، ولا سيما في ظل معلومات يتم التداول بها عن وجود قنوات تنسيق أمني غير مباشر بين دمشق وتل أبيب قد تستهدف الحد من نشاط الحزب في المنطقة الحدودية السورية–اللبنانية.
وفي هذا السياق، برز موقف للرئيس السوري أحمد الشرع أعلن فيه وقوفه إلى جانب السلطات اللبنانية في مسعاها لضبط السلاح خارج إطار الدولة، مؤكداً أن تعزيز انتشار الجيش السوري على الحدود مع لبنان والعراق يأتي في إطار إجراءات وقائية تهدف إلى تحصين الداخل السوري ومنع انتقال تداعيات الصراع الإقليمي إلى أراضيه. كما أشارت وكالة الأنباء العربية السورية إلى أن هذه الحدود تُعد من أكثر المناطق حساسية من الناحية الأمنية، نظراً لطبيعتها الجغرافية المعقدة وتشابكها مع مناطق سكانية وزراعية واسعة، الأمر الذي يجعل ضبطها أولوية أمنية للحفاظ على الاستقرار ومنع الأنشطة غير القانونية.
ويرى مراقبون أن النظام السوري الجديد، رغم تحسن علاقاته مع الإدارة الأميركية وعدد من العواصم الغربية والعربية، لا يزال يواجه تحديات داخلية كبيرة، ولم ينجح بعد في بسط سيطرة كاملة على كل الأراضي السورية، ما يجعل من الصعب عليه الانخراط في عمليات عسكرية خارج حدوده أو مواجهة طرف فاعل داخل دولة أخرى. وفي ضوء ذلك، تميل تقديرات سياسية إلى الاعتقاد بأن الدور السوري المحتمل سيبقى محصوراً في إطار حماية الحدود ومنع عمليات التهريب وضبط المخازن العسكرية القديمة لا سيما المستودعات المدفونة تحت الأرض داخل الأراضي السورية. كما أفادت تقارير نقلتها وكالة فرانس برس بأن الجيش السوري عزز بالفعل انتشاره على طول الحدود مع لبنان والعراق في خطوة توصف بأنها إجراء احترازي يهدف إلى منع انتقال التوترات الإقليمية إلى الداخل السوري.
من جهة أخرى، يقول متابعون إن احتمال تحريك الشرع للحدود الشرقية، دونه مخاطر سوف تنعكس عليه، حيث أثارت التطورات الأخيرة ردود فعل حادة من فصائل عراقية مسلحة، إذ وجّهت بعض الفصائل المرتبطة بـ الحشد الشعبي تحذيراً شديد اللهجة إلى القيادة السورية الجديدة، معتبرة أن أي تحرك عسكري باتجاه لبنان سيُعد إعلان حرب، ومشددة على أن هذا الإنذار يشكل الرسالة الأخيرة لتجنب انزلاق المنطقة إلى مواجهة واسعة النطاق. وتلمّح هذه الفصائل إلى القدرة على حشد دعم بشري وسياسي من البيئة الشيعية في المناطق القريبة من الحدود السورية–العراقية في حال اتخاذ قرار سوري بالانخراط في أي تحرك عسكري مرتبط بالجبهة اللبنانية.
وتذهب بعض التقديرات إلى رسم سيناريو تصعيدي محتمل يبدأ بتوتر أو تدخل عسكري عند الحدود الشرقية للبنان، الأمر الذي قد يدفع أطرافاً إقليمية أخرى إلى الانخراط في الصراع، سواء عبر دعم حزب الله من خلال تحركات موازية لفصائل عراقية على الحدود مع سوريا، أو عبر تدخلات إقليمية أوسع قد تشمل أدواراً مباشرة لقوى إقليمية. وفي المقابل، قد يدفع هذا المشهد في لبنان إلى تعزيز التنسيق الداخلي بين حزب الله والجيش وقوى محلية أخرى لحماية الحدود ومنع أي اختراقات محتملة.
وفي خضم هذا المشهد المعقد والمتداخل، يحذر مراقبون من أن أي خطوة عسكرية جديدة قد تفتح الباب أمام تفاعلات داخلية أوسع في سوريا نفسها، خصوصاً في ظل الحديث عن احتمال عودة التحركات الكردية أو بروز توترات لدى بعض المكونات الاجتماعية كالدروز والعلويين، ومع ذلك، هناك قناعة لدى أكثر من جهة سياسية بأن النظام لن يدخل في مواجهة مع لبنان، وأن ما يُشاع ليس سوى تهويل وتهديد.










اترك ردك