اللافت أن ما جرى لم يبق في إطار اشتباك كلامي عابر داخل الملعب، بل تحوّل سريعا إلى ملف انضباطي. تقارير عدة تحدثت عن تفعيل بروتوكول مكافحة العنصرية، ومع التحقيق قد تتوسع دائرة المسؤولية بين لاعب متهم بالإساءة وجمهور متهم بإشارات أو هتافات، في مشهد يعيد طرح السؤال نفسه: لماذا تتكرر العنصرية في كرة القدم رغم كثرة العقوبات والقوانين.
كيف تعاقب اللوائح الكروية على العنصرية؟
على مستوى الاتحاد الأوروبي لكرة القدم، تنص لوائح الانضباط على عقوبات مشددة ضد “السلوك العنصري أو التمييزي”. المادة 14 من لوائح يويفا تشير إلى أن أي شخص يهين الكرامة الإنسانية على أساس اللون أو العِرق أو الدين أو الأصل الإثني أو النوع الاجتماعي أو التوجّه الجنسي يتعرّض لإيقاف لا يقل عن عشر مباريات أو لعقوبة مناسبة أخرى، وفي حال كان السلوك صادرا عن جماهير نادٍ ما، تُفرض غرامة كحد أدنى مع إغلاق جزئي للملعب أو منع بيع تذاكر جماهيره خارج الأرض، وقد تصل العقوبات إلى لعب مباريات دون جمهور أو إغلاق ملعب أو اعتبار المباراة خاسرة أو حسم نقاط أو حتى الإقصاء من البطولة.
هذا المسار يفسر لماذا تُعامل قضايا العنصرية داخل مسابقات يويفا كملف يتجاوز الواقعة نفسها، إذ إن العقوبة قد تطال اللاعب والنادي معا تبعا لما يثبته التحقيق وتقارير الحكم والمنسق الأمني والمقاطع المتداولة.
القانون في إسبانيا من المدرج إلى المحكمة
في إسبانيا، لا تتوقف المواجهة عند العقوبات الرياضية. هناك مسار إداري يقوم على “قانون 19 لعام 2007” لمكافحة العنف والعنصرية وكراهية الأجانب وعدم التسامح في الرياضة، وهو إطار يهدف إلى وضع إجراءات وقائية ونظام عقوبات في الأحداث الرياضية. ويمر جانب من العقوبات عبر “المجلس الأعلى للرياضة” والهيئات المرتبطة باللجنة المعنية بالعنف والعنصرية في الرياضة، حيث تظهر أمثلة متكررة على غرامات ومنع دخول الملاعب لفترات محددة في قضايا مختلفة.
الأهم أن السنوات الأخيرة شهدت انتقالا واضحا إلى الأحكام القضائية، خصوصا في القضايا المرتبطة بفينيسيوس. ففي أيار 2025، اعتُبرت الإساءات العنصرية في ملعب بلد الوليد قضية “جريمة كراهية” وفق ما وصفته رابطة الدوري الإسباني والمجلس الأعلى للرياضة، في سابقة اعتُبرت مفصلية لأنها ترفع الواقعة من خانة “سلوك مشين” إلى خانة تتعامل معها المحاكم بوصفها اعتداءً على الكرامة والحقوق.
وقبل ذلك في حزيران 2024، صدرت أحكام بالسجن بحق مشجعين بسبب إساءات عنصرية لفينيسيوس، وقدمت حينها كرابطة دوري أول إدانة مرتبطة بإهانات عنصرية في مباراة كرة قدم داخل إسبانيا.
تاريخيا، كانت العنصرية في الرياضة مرتبطة بالبنى الاجتماعية نفسها، من فصل وتمييز وحرمان من الفرص، ثم تحوّلت تدريجيا إلى صراع على “التمثيل” وحق الوجود في المساحات العامة، قبل أن تصل اليوم إلى عصر جديد عنوانه الإساءة الفورية عبر المدرجات والمنصات الرقمية.
في منتصف القرن العشرين، أصبح اقتحام الرياضيين السود للمسابقات الكبرى حدثا سياسيا واجتماعيا بامتياز. دخول جاكي روبنسون إلى دوري البيسبول الأميركي عام 1947 كان لحظة مفصلية في كسر الحواجز العرقية داخل الرياضة الأميركية، وسط توثيق واسع لما واجهه من عداء وتمييز.
وفي 1968، تحولت منصة التتويج الأولمبية إلى رسالة احتجاج شهيرة حين رفع تومي سميث وجون كارلوس قبضتيهما في مكسيكو سيتي، في واقعة بقيت من أكثر لحظات الرياضة التصاقا بنقاشات الحقوق المدنية والتمييز.
ثم جاءت كرة القدم الأوروبية لتكشف أن المشكلة لا ترتبط بزمن بعينه. في 2006، عاد ملف الهتافات العنصرية بقوة بعد تهديد صامويل إيتو بمغادرة الملعب إثر إساءات من المدرجات في الدوري الإسباني، ما وضع الأندية والاتحادات أمام اختبار علني. وفي 2014، تحولت واقعة رمي موزة على داني ألفيش في الليغا إلى رمز عالمي لصورة العنصرية في الملاعب، وما تبعها من نقاشات حول العقوبات ومسؤولية الأندية وسرعة التعرف إلى الجناة.
فينيسيوس كحالة مستمرة لا كحادثة منفردة
خصوصية ملف فينيسيوس أنه لم يعد يُقرأ كحادثة منفردة، بل كسلسلة وقائع دفعت مؤسسات كروية وقضائية إلى تشديد لهجتها. حتى على مستوى البيانات الرسمية، جرى تقديم أحكام 2025 بوصفها اعترافا واضحا بخطورة السلوك العنصري كجريمة كراهية، في إشارة إلى أن المعركة لم تعد فقط على “إيقاف لاعب” أو “إغلاق مدرج” بل على تثبيت مبدأ ردع قانوني.
ومع كل واقعة جديدة، يتسع السؤال حول الفجوة بين النصوص والتطبيق. اللوائح موجودة والعقوبات تتدرج حتى أقسى التدابير، والقانون الإسباني يتيح مسارات إدارية وقضائية، لكن تكرار المشاهد يوحي بأن الردع لا يتحقق بالغرامة وحدها، بل بسلسلة إجراءات تبدأ من التعرف السريع إلى الفاعلين ومنعهم من الملاعب، ولا تنتهي عند المحاكم حين يتطلب الأمر، تماما كما بدأت إسبانيا تفعل في قضايا مرتبطة بفينيسيوس خلال العامين الأخيرين.











اترك ردك