هذا التحول في الأسلوب لا يأتي من فراغ، بل يعكس قراءة داخلية لدى الحزب بأن المعركة لن تُحسم سريعًا، وأن الرهان الأساسي يجب أن يكون على الزمن وقدرة التحمل. لذلك، تُلاحظ محاولات واضحة لتوزيع الجهد القتالي على مراحل، مع تجنب المواجهات الواسعة المباشرة التي قد تؤدي إلى خسائر كبيرة في وقت قصير.
في المقابل، تسعى القوات الإسرائيلية إلى تحقيق تقدم ميداني محدود ومدروس، بهدف فرض وقائع جديدة على الأرض، مع الحفاظ على هامش مناورة سياسي يسمح لها بالتفاوض من موقع قوة لاحقًا.
لكن في موازاة هذا المشهد العسكري المعقد، دخلت الحياة السياسية في لبنان مرحلة من الجمود والأزمة الحكومية. فالتباينات بين القوى السياسية تعمّقت مع تصاعد التوترات، وظهرت خلافات حول أولويات المرحلة المقبلة، خصوصًا في ما يتعلق بإدارة تداعيات الحرب على المستوى الداخلي والخطوات السياسية التصعيدية التي اخذتها ايضا. ومع ذلك، تشير المعطيات إلى وجود قرار داخلي كبير، غير معلن بشكل مباشر، يقضي بضرورة منع أي انفجار في الشارع، مهما بلغت حدة الخلافات السياسية.
هذا القرار يعكس إدراكًا عامًا لدى مختلف الأطراف بأن أي اشتباك داخلي سيؤدي إلى انهيار شامل يصعب احتواؤه، خصوصًا في ظل الظروف الاقتصادية والإنسانية الصعبة التي يعيشها اللبنانيون.
لذلك، ورغم ارتفاع سقوف الخطاب السياسي أحيانًا، تبقى الخطوط الحمراء واضحة عندما يتعلق الأمر بالاستقرار الداخلي ومنع الانزلاق نحو الفوضى.
في الوقت نفسه، تتباين قراءات الأطراف لنتائج المواجهة الجارية. فبينما يشعر حزب الله بأنه ما زال ممسكًا بزمام المبادرة الميدانية، وأن قدرته على الصمود تمنحه اليد العليا، يرى خصومه في الداخل والخارج أن ما جرى حتى الآن يشير إلى تراجع في موقعه وقدرته على فرض شروطه. هذا التناقض في التقدير يسبب فجوة واسعة بين الروايتين، ويجعل أي تسوية سياسية محتملة أكثر تعقيدًا وصعوبة.
ومع استمرار هذه المعادلة الميدانية والسياسية، تبدو المرحلة المقبلة مفتوحة على احتمالات متعددة، حيث يتداخل العامل العسكري مع الحسابات السياسية، فيما يبقى الاستنزاف الطويل عنوانًا أساسيًا للصراع، بانتظار لحظة تتقاطع فيها المصالح وتُفتح نافذة حقيقية نحو تسوية لا تبدو قريبة في الوقت الراهن.










اترك ردك