بين التهويل والواقع: كيف أُسقط سيناريو الاشتباك السوري مع “حزب الله”؟

خلال الأيام الماضية، تصاعدت وتيرة الأحاديث والتسريبات التي تناولت سيناريوهات تتعلق باشتباك محتمل على الحدود الشرقية للبنان بين قوات سورية و”حزب الله”، وهو طرح لم يبقَ في إطار التحليل أو التقدير، بل جرى تداوله على نطاق واسع بصيغة توحي وكأنه احتمال قريب أو مسار قيد التنفيذ، ما ساهم في رفع منسوب التهويل السياسي والإعلامي حول هذا الملف.

ومع اتساع انتشار هذه الروايات، تصاعدت التساؤلات حول خلفياتها الحقيقية، وما إذا كانت تعكس توجهاً فعلياً قيد التبلور، أم أنها تندرج ضمن محاولات منظمة لصناعة ضغط سياسي، عبر الدفع بسيناريوهات غير قائمة وتقديمها كمسارات محتملة في المشهد الإقليمي.

في هذا السياق، لم تقتصر الروايات المتداولة على طرح احتمالات مفتوحة، بل تجاوزت ذلك إلى بناء سيناريوهات مفصّلة تتحدث عن إدخال دمشق بشكل مباشر إلى الساحة اللبنانية، تحت عناوين متعدّدة تتراوح بين “ضبط الحدود” و”إعادة التوازن الداخلي”، وهو ما ترافق مع تصعيد واضح في الخطاب الإعلامي والسياسي، بالتوازي مع تسريبات تحدّثت عن اتصالات مع القيادة السورية، لم تكتفِ باختبار موقفها، بل سعت إلى دفعها نحو خيار الانخراط في مواجهة داخل لبنان.

إلا أن التدقيق في هذه المعطيات يكشف أن قسماً كبيراً منها يستند إلى استنتاجات سياسية أكثر مما يرتكز على وقائع ثابتة، وهو ما يبرز فجوة واضحة بين ما يُروَّج له إعلامياً وما يُبحث فعلياً في الكواليس، ويطرح تساؤلاً جوهرياً حول ما إذا كان لبنان أمام مسار قائم بالفعل، أم محاولة لدفع هذا السيناريو إلى الواجهة عبر التهويل والتكرار.

في هذا الإطار، تكشف مصادر دبلوماسية مطّلعة أن ما طُرح لم يبقَ ضمن التداول الإعلامي، بل تُرجم بمحاولات تواصل فعلية، إذ تشير المعطيات إلى أن قوى لبنانية بارزة بادرت إلى طرح فكرة الدخول إلى لبنان على الرئيس السوري أحمد الشرع بشكل مباشر، تحت عنوان الاشتباك مع “حزب الله”، مع تبرير هذا الطرح بضرورة مساعدة لبنان على التخلّص مما وصفته هذه الأطراف بأنه قوة خارجة عن إطار الدولة، مع تأكيدات بأنها ستؤمّن غطاءً سياسياً داخلياً لهذا الخيار. كما ذكّرت هذه القوى، خلال تواصلها معه، بأنها كانت من أشد المعارضين لدخول “حزب الله” إلى سوريا خلال سنوات الحرب، في محاولة لاستحضار تلك المرحلة بكل ما حملته من تداعيات، والسعي إلى التأثير على موقفه من هذا المنطلق.

الا أن الردّ السوري جاء حاسماً وغير قابل لأي تأويل، إذ تؤكد المصادر أن الشرع رفض هذا الطرح بشكل قاطع، مشدداً على أنه لا ينوي الانخراط في أي مسار تصادمي داخل الساحة اللبنانية، وأن دمشق لا ترى نفسها معنية بالدخول في هذا النوع من الاشتباكات، بل أبلغ هذه الأطراف بشكل واضح أن معالجة الأزمات الداخلية في لبنان تبقى مسؤولية داخلية لا يمكن نقلها إلى الخارج.

وفي موازاة هذا الموقف، تشير المعطيات إلى أن الانتشار الذي قامت به القوات السورية على الحدود لم يكن موجهاً في سياق تصعيدي، بل يأتي ضمن إجراءات أمنية تهدف إلى تأمين الحدود ومنع أي خروقات أو مخاطر محتملة قد تمتد إلى الداخل السوري، في ظل مرحلة إقليمية شديدة الحساسية. وبحسب المصادر، فإن الرئيس السوري أحمد الشرع أبلغ الجهات التي تواصلت معه أن أولويته في هذه المرحلة تنحصر في الداخل السوري، من خلال تثبيت الاستقرار، وإعادة ترتيب مؤسسات الدولة، والانخراط في مسار إعادة الإعمار، إلى جانب معالجة التحديات الاقتصادية والاجتماعية، ما يجعله غير معني بأي انخراط عسكري خارج هذا الإطار.

وفي سياق متصل، برزت معطيات تتحدث عن محاولات ضغط من جهات عربية لدفع دمشق نحو الانخراط في هذا المسار، ضمن سعي لإعادة ترتيب موازين القوى في المنطقة. إلا أن هذه المحاولات، وفق المصادر نفسها، لم تُحدث أي خرق في الموقف السوري، الذي بقي ثابتاً عند رفض الانزلاق إلى هذا النوع من الاشتباكات، أو فتح جبهة جديدة في هذا التوقيت.

في المقابل، جرى التداول بروايات تربط هذا السيناريو بدفع أميركي، أو على الأقل بغطاء خارجي غير معلن. إلا أن هذا المسار تلقّى ضربة مباشرة مع صدور موقف واضح ينفي هذه المزاعم، إذ أكد المسؤول الأميركي توم برّاك أن التقارير التي تتحدث عن تشجيع الولايات المتحدة لسوريا لإرسال قوات إلى لبنان هي معلومات غير صحيحة وغير دقيقة.

هذا النفي لا يقتصر على تصحيح معلومة متداولة، بل يحمل دلالات أعمق، إذ يسحب الغطاء عن إحدى الركائز الأساسية التي استندت إليها هذه الروايات، والتي قامت على فرضية وجود دفع اميركي لهذا المسار. ومع سقوط هذا الافتراض، يتبيّن أن ما جرى تداوله لم يكن مبنياً على معطيات صلبة، بقدر ما كان محاولة لتسويق سيناريو سياسي عبر ربطه بقرار دولي غير قائم أساساً.

بذلك، يتبيّن أن ما جرى تداوله خلال الأيام الماضية لا يستند إلى مسار فعلي قائم، بل إلى محاولة دفع سيناريو محدّد إلى التداول السياسي والإعلامي، رغم غياب أي مؤشرات عملية على إمكانية تحقّقه. ومع سقوط المعطيات التي بُني عليها هذا الطرح، من اتصالات لم تُفضِ إلى نتائج، إلى مواقف حاسمة رافضة، يتراجع هذا السيناريو إلى إطار الاستخدام السياسي، لا أكثر.

وفي ضوء ذلك، لا يمكن التعامل مع هذه الروايات بوصفها مؤشراً على تطوّر ميداني، بل كجزء من مسار ضغط ومحاولة فرض وقائع غير قائمة.
وهنا يبرز السؤال: من هي الجهات الخارجية التي تدفع باتجاه زجّ سوريا في الاشتباك، سواء داخل الساحة اللبنانية أو على مستوى المنطقة؟
وهل يأتي هذا الدفع في سياق محاولة لتغيير موازين القوى عبر أطراف أخرى، بعدما عجزت هذه الجهات عن فرض هذا التغيير بشكل مباشر؟