في الظاهر، تبدو جلسة مجلس الوزراء المقرّرة عند الثالثة والنصف من بعد ظهر يوم الإثنين المقبل، بعدما أرجئت بسبب مشاركة رئيس الحكومة نواف سلام لمشاركته في “مؤتمر ميونيخ للأمن”، عادية بجدول أعمالٍ يضم نحو 30 بندًا. لكنّ بندين فيها كفيلان وحدهما بتحويلها إلى محطة سياسية فاصلة: عرض قيادة الجيش للتقرير الشهري حول خطة “حصر السلاح” في المناطق اللبنانية، واقتراحات وزارة المالية لتصحيح رواتب وأجور القطاع العام.
وعلى الرغم من أنّ البندين غير مترابطين شكلًا ومضمونًا، إلا أنّهما يشكّلان سويًا “اختبارًا حقيقيًا” للحكومة، على مستوى “القرار”، ولكن أبعد من ذلك على “التنفيذ”، ففي ملفّ شمال الليطاني الذي يأخذ القسط الأكبر من الاهتمام منذ أشهر، ثمّة أسئلة عن مدى القدرة على تنفيذ خطة المرحلة الثانية، التي تبدأ هذا الشهر، وفي ملف الرواتب ثمّ أسئلة أكبر وأكثر عن مدى القدرة على الإيفاء ليس فقط بالوعود، بل بأبسط عناصر العقد الاجتماعي، حتى لا تنهار المؤسسات تحت ضغط المعيشة.
وإذا كان الخارج يراقب “خطة” شمال الليطاني باعتبارها معيارًا لجدّية الدولة، عشيّة استحقاقات مفصليّة قد تكون “رهينة” لهذه الخطة، وأولها مؤتمر باريس لدعم الجيش وقوات الأمن المقرر بداية الشهر المقبل في العاصمة الفرنسية، فإن الداخل يراقب الرواتب باعتبارها معيارًا لصدقية السلطة، وربما لكونها أكثر ما يعنيه. وبين المعيارين، تتقدّم المخاطر: لا سيادة بلا مؤسسات قادرة، ولا مؤسسات قادرة بلا حدّ أدنى من الاستقرار المالي والإداري.
من اختبار تقني إلى عقدة سياسية
بالنسبة إلى الملف الأول، أي شمال الليطاني، فإنّ الأنظار تتّجه إلى ما سيُعرَض في الجلسة في سياق متابعة قرار مجلس الوزراء المتعلق بخطة حصر السلاح، والتقرير الشهري الذي ترفعه قيادة الجيش ضمن هذا المسار. لكنّ أهميته هذه المرّة أنّه سيتضمّن طرحًا من قبل قائد الجيش العماد رودولف هيكل لخطّة المرحلة الثانية، وهو العائد للتو من واشنطن التي تطالب بـ”خارطة طريق” لا لبس فيها، وترفض أي نوع من أنواع المماطلة والمناورة.
انطلاقًا من ذلك، فإنّ جوهر النقاش لن يكون “تقنيًا” بقدر ما سيكون سياسيًا: ما هو شكل التكليف المطلوب للجيش؟ وهل هو تفويض كامل بجدولٍ زمني واضح، أم تكرار لصيغة فضفاضة تُرحّل الانفجار إلى ما بعد الجلسة؟
هنا تظهر عقدة “الغطاء”. فالجيش، مهما امتلك من جهوزية، يحتاج إلى قرار سياسي صريح يُترجَم إجراءاتٍ على الأرض، ويحتاج في الوقت نفسه إلى بيئة سياسية لا تتعامل مع الملف كمنصة كسر عظم. وقد تكثّف هذا البعد السياسي في الأيام الأخيرة مع الحديث عن أنّ الاستجابة الدولية لدعم المؤسسة العسكرية باتت مشروطة بما ستقدمه الدولة من تصور واضح للمرحلة التالية، وأن مؤتمر دعم الجيش يبقى “على المحكّ” تبعًا لمسار الخطة.
لكن أصعب ما في “شمال الليطاني” ليس فقط كيفية جمع السلاح أو تفكيك البنى العسكرية، بل كيفية إدارة المعنى السياسي لهذا التحول، في ظلّ الضغط الداخلي، في ضوء موقف “حزب الله” المعروف، وكذلك الضغوط الدولية. ويحضر أيضًا العامل الإسرائيلي الذي يستمرّ باستباحة السيادة، وتجاوز اتفاق وقف إطلاق النار، وكأنّه يقول صراحةً إنّه ما لم تتّخذ الدولة قرارًا بسحب السلاح وتنفذه، فإنّ شيئًا لن يتغيّر في واقع حرب ما بعد الإسناد.
الرواتب.. قنبلة اجتماعية في خزينة منهكة
على الضفة الأخرى من جدول الأعمال، يقف ملف الرواتب الذي لا يبدو أقلّ شأنًا على الإطلاق، بل إنّ أهميته بالنسبة للبنانيين تفوق الأول بأشواط. هنا يفترض أن تناقش الحكومة مقترحات وزارة المالية لتصحيح أجور موظفي القطاع العام، بما في ذلك ما لديها من مشاريع أو أفكار مرتبطة بمنحٍ شهرية أو إجراءات تخفيفية، بما يشمل العسكريين في الخدمة والمتقاعدين، خصوصًا بعد الاحتجاجات التي حصلت مؤخرًا على هامش جلسة الموازنة البرلمانية.
صحيح أنّ هذا الملف ليس جديدًا، لكنه دخل مرحلة حساسة، لأن الضغط لا يأتي فقط من موظفين يطالبون باستعادة القدرة الشرائية، بل أيضًا من مؤسسات أمنية وعسكرية يتوقف عليها الاستقرار نفسه. وفي هذا السياق، جاءت اجتماعات اليرزة التي تناولت سبل تحسين رواتب العسكريين لتؤكد أن الملف بات “أولوية” مرتبطة مباشرة بمعنويات العسكريين واستقرار المؤسسات. لكنّ المعضلة أن الرواتب ليست قرارًا سياسيًا فقط، بل قرار مالي أيضًا: فمن أين التمويل؟ وكيف تُدار الزيادة من دون فتح باب تضخم إضافي أو توسيع عجز الدولة؟
وإذا كانت تحضر في الخلفية أيضًا نقاشات الإصلاح المالي وشروط المانحين وصندوق النقد، ما يجعل أي تصحيح غير ممول عبئًا مزدوجًا، بمعنى أنه يمكن أن يُرضي الشارع مؤقتًا ويُسقط الدولة لاحقًا، فإنّ الأخطر يبقى فشل الحكومة في إنتاج “حل قابل للاستدامة”، ما سيضعها أمام سيناريوهين كلاهما مُكلف: إما غضب اجتماعي متصاعد (خصوصًا لدى المتقاعدين والعسكريين) قد يترجم تحركات وضغطًا في الشارع؛ أو “حل ترقيعي” بمنحٍ ومساعدات متفرقة تُبقي الأزمة مفتوحة وتُراكم الظلم داخل الإدارة بين قطاع وآخر.
اللافت هنا أن ملف الرواتب لا ينفصل عمليًا عن ملف شمال الليطاني: لا يمكنك أن تطلب من الجيش تنفيذ مهمة حساسة وتوسيع انتشاره وتحمل أثمان سياسية، فيما جنوده يعيشون على هامش القدرة. لذلك تبدو جلسة الإثنين حاسمة، فإذا خرجت بتكليف واضح للجيش وبإطار مالي جدي للرواتب، يمكن القول إن الدولة بدأت بمسار استعادة المبادرة. أما إذا خرجت بتسويات لغوية وقرارات مؤجلة، فسيكون المعنى واحدًا: الحكومة تتأخّر والكلفة تتقدّم!
وعلى الرغم من أنّ البندين غير مترابطين شكلًا ومضمونًا، إلا أنّهما يشكّلان سويًا “اختبارًا حقيقيًا” للحكومة، على مستوى “القرار”، ولكن أبعد من ذلك على “التنفيذ”، ففي ملفّ شمال الليطاني الذي يأخذ القسط الأكبر من الاهتمام منذ أشهر، ثمّة أسئلة عن مدى القدرة على تنفيذ خطة المرحلة الثانية، التي تبدأ هذا الشهر، وفي ملف الرواتب ثمّ أسئلة أكبر وأكثر عن مدى القدرة على الإيفاء ليس فقط بالوعود، بل بأبسط عناصر العقد الاجتماعي، حتى لا تنهار المؤسسات تحت ضغط المعيشة.
وإذا كان الخارج يراقب “خطة” شمال الليطاني باعتبارها معيارًا لجدّية الدولة، عشيّة استحقاقات مفصليّة قد تكون “رهينة” لهذه الخطة، وأولها مؤتمر باريس لدعم الجيش وقوات الأمن المقرر بداية الشهر المقبل في العاصمة الفرنسية، فإن الداخل يراقب الرواتب باعتبارها معيارًا لصدقية السلطة، وربما لكونها أكثر ما يعنيه. وبين المعيارين، تتقدّم المخاطر: لا سيادة بلا مؤسسات قادرة، ولا مؤسسات قادرة بلا حدّ أدنى من الاستقرار المالي والإداري.
من اختبار تقني إلى عقدة سياسية
بالنسبة إلى الملف الأول، أي شمال الليطاني، فإنّ الأنظار تتّجه إلى ما سيُعرَض في الجلسة في سياق متابعة قرار مجلس الوزراء المتعلق بخطة حصر السلاح، والتقرير الشهري الذي ترفعه قيادة الجيش ضمن هذا المسار. لكنّ أهميته هذه المرّة أنّه سيتضمّن طرحًا من قبل قائد الجيش العماد رودولف هيكل لخطّة المرحلة الثانية، وهو العائد للتو من واشنطن التي تطالب بـ”خارطة طريق” لا لبس فيها، وترفض أي نوع من أنواع المماطلة والمناورة.
انطلاقًا من ذلك، فإنّ جوهر النقاش لن يكون “تقنيًا” بقدر ما سيكون سياسيًا: ما هو شكل التكليف المطلوب للجيش؟ وهل هو تفويض كامل بجدولٍ زمني واضح، أم تكرار لصيغة فضفاضة تُرحّل الانفجار إلى ما بعد الجلسة؟
هنا تظهر عقدة “الغطاء”. فالجيش، مهما امتلك من جهوزية، يحتاج إلى قرار سياسي صريح يُترجَم إجراءاتٍ على الأرض، ويحتاج في الوقت نفسه إلى بيئة سياسية لا تتعامل مع الملف كمنصة كسر عظم. وقد تكثّف هذا البعد السياسي في الأيام الأخيرة مع الحديث عن أنّ الاستجابة الدولية لدعم المؤسسة العسكرية باتت مشروطة بما ستقدمه الدولة من تصور واضح للمرحلة التالية، وأن مؤتمر دعم الجيش يبقى “على المحكّ” تبعًا لمسار الخطة.
لكن أصعب ما في “شمال الليطاني” ليس فقط كيفية جمع السلاح أو تفكيك البنى العسكرية، بل كيفية إدارة المعنى السياسي لهذا التحول، في ظلّ الضغط الداخلي، في ضوء موقف “حزب الله” المعروف، وكذلك الضغوط الدولية. ويحضر أيضًا العامل الإسرائيلي الذي يستمرّ باستباحة السيادة، وتجاوز اتفاق وقف إطلاق النار، وكأنّه يقول صراحةً إنّه ما لم تتّخذ الدولة قرارًا بسحب السلاح وتنفذه، فإنّ شيئًا لن يتغيّر في واقع حرب ما بعد الإسناد.
الرواتب.. قنبلة اجتماعية في خزينة منهكة
على الضفة الأخرى من جدول الأعمال، يقف ملف الرواتب الذي لا يبدو أقلّ شأنًا على الإطلاق، بل إنّ أهميته بالنسبة للبنانيين تفوق الأول بأشواط. هنا يفترض أن تناقش الحكومة مقترحات وزارة المالية لتصحيح أجور موظفي القطاع العام، بما في ذلك ما لديها من مشاريع أو أفكار مرتبطة بمنحٍ شهرية أو إجراءات تخفيفية، بما يشمل العسكريين في الخدمة والمتقاعدين، خصوصًا بعد الاحتجاجات التي حصلت مؤخرًا على هامش جلسة الموازنة البرلمانية.
صحيح أنّ هذا الملف ليس جديدًا، لكنه دخل مرحلة حساسة، لأن الضغط لا يأتي فقط من موظفين يطالبون باستعادة القدرة الشرائية، بل أيضًا من مؤسسات أمنية وعسكرية يتوقف عليها الاستقرار نفسه. وفي هذا السياق، جاءت اجتماعات اليرزة التي تناولت سبل تحسين رواتب العسكريين لتؤكد أن الملف بات “أولوية” مرتبطة مباشرة بمعنويات العسكريين واستقرار المؤسسات. لكنّ المعضلة أن الرواتب ليست قرارًا سياسيًا فقط، بل قرار مالي أيضًا: فمن أين التمويل؟ وكيف تُدار الزيادة من دون فتح باب تضخم إضافي أو توسيع عجز الدولة؟
وإذا كانت تحضر في الخلفية أيضًا نقاشات الإصلاح المالي وشروط المانحين وصندوق النقد، ما يجعل أي تصحيح غير ممول عبئًا مزدوجًا، بمعنى أنه يمكن أن يُرضي الشارع مؤقتًا ويُسقط الدولة لاحقًا، فإنّ الأخطر يبقى فشل الحكومة في إنتاج “حل قابل للاستدامة”، ما سيضعها أمام سيناريوهين كلاهما مُكلف: إما غضب اجتماعي متصاعد (خصوصًا لدى المتقاعدين والعسكريين) قد يترجم تحركات وضغطًا في الشارع؛ أو “حل ترقيعي” بمنحٍ ومساعدات متفرقة تُبقي الأزمة مفتوحة وتُراكم الظلم داخل الإدارة بين قطاع وآخر.
اللافت هنا أن ملف الرواتب لا ينفصل عمليًا عن ملف شمال الليطاني: لا يمكنك أن تطلب من الجيش تنفيذ مهمة حساسة وتوسيع انتشاره وتحمل أثمان سياسية، فيما جنوده يعيشون على هامش القدرة. لذلك تبدو جلسة الإثنين حاسمة، فإذا خرجت بتكليف واضح للجيش وبإطار مالي جدي للرواتب، يمكن القول إن الدولة بدأت بمسار استعادة المبادرة. أما إذا خرجت بتسويات لغوية وقرارات مؤجلة، فسيكون المعنى واحدًا: الحكومة تتأخّر والكلفة تتقدّم!










اترك ردك