هذه الفرضية تكتسب أهمية خاصة إذا ترافقت مع المفاوضات الجارية حول مستقبل الجنوب اللبناني، وإعادة توزيع الأدوار الإقليمية بعد تراجع النفوذ الإيراني في بعض الساحات، إذ قد تصبح تركيا أحد الأعمدة التي تستند إليها أي تسوية جديدة في المشرق، وليس في لبنان وحده.
وفي اعتقاد بعض الأوساط الدبلوماسية أن تركيا يمكنها أن تلعب دورًا محوريًا في إيجاد مخرج للأزمة اللبنانية، لكن هذا الدور يبقى مرتبطًا بقدرتها على التوفيق بين مصالحها الإقليمية ومصالح القوى الدولية والعربية المنخرطة في الملف اللبناني. فأنقرة ليست طرفًا مباشرًا في الصراع اللبناني، لكنها تمتلك شبكة علاقات واسعة مع الولايات المتحدة، ودول الخليج، وسوريا، وإيران، إضافة إلى قنوات اتصال مع مختلف القوى اللبنانية، ما يجعلها مؤهلة للعب دور الوسيط أو الضامن في مرحلة إعادة ترتيب المشهد اللبناني.
من الناحية السياسية، تبدو تركيا اليوم من الدول القليلة القادرة على التحدث مع جميع الأطراف. فهي عضو في حلف شمال الأطلسي وتحتفظ بعلاقات استراتيجية مع واشنطن، وفي الوقت نفسه لم تقطع خطوط التواصل مع طهران، كما نجحت في تطبيع علاقاتها مع السعودية والإمارات ومصر، وفتحت صفحة جديدة مع سوريا. هذه المرونة تمنحها هامشًا للتحرك في الملفات التي يصعب على أطراف أخرى جمع خيوطها.
أما على المستوى الأمني، فقد تجد الولايات المتحدة في تركيا شريكًا مناسبًا للمساعدة في تنفيذ أي ترتيبات أمنية جديدة في لبنان، خصوصًا إذا كان الهدف هو تعزيز قدرات الجيش أو الإشراف على مشاريع إعادة الإعمار في الجنوب، من دون الظهور الأميركي المباشر الذي قد يثير حساسيات داخلية. وفي المقابل، قد تنظر إسرائيل إلى تركيا، على رغم الخلافات السياسية معها، باعتبارها دولة تمتلك مؤسسات عسكرية قوية وتفهم هواجس الأمن الحدودي.
وتبرز أهمية تركيا أيضًا في الملف السوري، الذي بات متداخلًا بصورة كاملة مع الواقع اللبناني. فاستقرار الحدود الشرقية، وضبط حركة التهريب، وتنظيم ملف اللاجئين السوريين، كلها ملفات يصعب معالجتها من دون دور تركي، خاصة بعد توسع نفوذ أنقرة داخل الأراضي السورية وعلاقاتها مع السلطة الجديدة في دمشق.
اقتصاديًا، تستطيع تركيا أن تكون أحد أبرز المستثمرين في مرحلة إعادة إعمار البنى التحتية اللبنانية. فالشركات التركية تمتلك خبرة كبيرة في تنفيذ مشاريع الطرق والمرافئ والطاقة والمستشفيات، وقد أبدت في أكثر من مناسبة اهتمامًا بالسوق اللبنانية. وإذا نجح لبنان في استعادة الاستقرار الأمني، فقد تتحول تركيا إلى شريك اقتصادي أساسي إلى جانب دول الخليج.
لكن الدور التركي لا يخلو من العقبات. ففرنسا لا تزال تعتبر نفسها صاحبة الدور التاريخي في لبنان، والسعودية تسعى إلى استعادة حضورها السياسي والاقتصادي، فيما تراقب إيران أي تحرك إقليمي قد يؤدي إلى تقليص نفوذها. لذلك فإن أنقرة لن تستطيع التحرك منفردة، بل ستكون جزءًا من تفاهم دولي أوسع يضم الولايات المتحدة والسعودية وفرنسا وربما قطر.
إضافة إلى ذلك، يظل الداخل اللبناني عاملًا حاسمًا. فإذا بقيت القوى السياسية منقسمة حول ملفات أساسية مثل حصرية السلاح، والإصلاحات، والعلاقة مع المحيط العربي، فإن أي وساطة تركية ستصطدم بالعقبات نفسها التي واجهت المبادرات السابقة.
فهل يمكن أن تصبح تركيا “الضامن الجديد”؟
إذا كانت المرحلة المقبلة تتجه نحو تسوية إقليمية تشمل لبنان وسوريا وإسرائيل، فقد تكون تركيا أحد أبرز المستفيدين منها، لأنها تجمع بين القوة العسكرية، والقدرة الاقتصادية، والعلاقات الدبلوماسية المتشعبة. وقد تجد واشنطن في أنقرة شريكًا مناسبًا لإدارة مرحلة الانتقال في لبنان، خصوصًا إذا ترافقت التسوية مع تقليص النفوذ الإيراني وتعزيز دور الدولة اللبنانية.










اترك ردك