فبحسب الموقع: “في جلسة طارئة عُقدت في اليوم نفسه، تجاوز مجلس الوزراء خطابه المعتاد من التباعد وضبط النفس، وأعلن رئيس الحكومة نواف سلام حظراً تاماً على أنشطة حزب الله العسكرية والأمنية، وطالبه بتسليم أسلحتهن كما وأكد أن قرارات الحرب والسلم منوطة حصراً بالدولة. كما أمرت الحكومة الجيش والأجهزة الأمنية باتخاذ كل التدابير اللازمة لمنع إطلاق الصواريخ أو الطائرات المسيّرة من الأراضي اللبنانية واعتقال المخالفين. والجدير بالذكر أن قرار الحكومة حظي بدعم رئيس مجلس النواب نبيه بري. واللافت أن بري كان حليفاً قديماً لحزب الله، ويبدو أن هذه الخطوة تمثل قطيعة دراماتيكية بين الاثنين، ولكن وفقًا لأشخاص مطلعين على موقفه وعلى المناقشات الداخلية لحزب الله، فإن القصة داخل المعسكر السياسي الشيعي كانت أكثر تعقيدًا”.
الطعن في شروط وقف إطلاق النار
وبحسب الموقع: “وفقاً لمصدرين مقربين من بري، كان رئيس المجلس و”حزب الله” على اتصال وثيق في الساعات التي سبقت الضربة، وسط قناعة مشتركة بأن هجوماً إسرائيلياً جديداً بات مرجحاً بشكل متزايد. وقالت المصادر إن وجهة نظر بري كانت أنه إذا كانت الحرب آتية على أي حال، فلا ينبغي أن يكون لبنان هو الطرف الذي يمنح إسرائيل الذريعة العلنية لشنها. لكن يقال إن “حزب الله” جادل داخلياً بأن اغتيال خامنئي جعل الرد أكثر ضرورة، وأن التصعيد الإسرائيلي بات يُنظر إليه الآن على أنه أمر لا مفر منه سواء تحرك “الحزب” أو التزم الصمت. وفي الحقيقة، لم يكن التقييم منفصلاً تماماً عن الخطاب العلني للحزب منذ وقف إطلاق النار. فقد صرّح الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، بأن الحزب سينسق مع الجيش لتنفيذ الاتفاق، حتى مع انتقاده للتنازلات المقدمة في المفاوضات مع إسرائيل. وفي خطابات لاحقة، حذر من أن “الصواريخ ستسقط” على إسرائيل إذا استأنفت حرباً واسعة النطاق على لبنان”.
وتابع الموقع: “قال أحد المقربين من “حزب الله” للموقع: “بعد الضربات التي تلقاها الحزب في حرب أيلول، اعتقدت القيادة أنها يجب أن تنتظر حدوث شرخ إقليمي كبير بما يكفي لتغيير موازين القوى بعد الحرب”. وأضاف: “كان الهجوم على إيران بمثابة الشرخ”. وتابع قائلاً: “كان البقاء خارج الحرب سيجعل حزب الله يبدو سلبياً، وكان سيضيع فرصة تحدي الشروط المفروضة بعد وقف إطلاق النار”. وأفادت التقارير الإخبارية يوم الأحد أن إسرائيل كانت تستعد لاستدعاء حوالي 100 ألف جندي احتياطي في إطار عملية الأسد الصاعد ضد إيران، مما عزز التصور السائد في لبنان بأن الصراع قد يمتد إلى ما هو أبعد من مجرد تصعيد حدودي محدود. وفي اليوم التالي، تحركت القوات الإسرائيلية عبر الحدود واحتلت مناطق في جنوب لبنان، وقالت مصادر إن بري، الذي كان يدرك احتمال تجدد الصراع بين حزب الله وإسرائيل، سعى إلى منع ظهور الحزب على أنه من وجه الضربة الأولى، متجنباً بذلك التداعيات السياسية لإعطاء إسرائيل سردية واضحة للدفاع عن النفس. ومع ذلك، اعتقد حزب الله أنه يمتلك معلومات استخباراتية موثوقة تفيد بأن تصعيداً إسرائيلياً كبيراً سيحدث بغض النظر عن أي شيء، وقرر التحرك. وقال مصدر مقرب من الحزب إن قرار مهاجمة إسرائيل اتخذ قبل 48 ساعة، حيث تم إرسال الأوامر إلى الوحدات في رسائل مكتوبة بخط اليد لتجنب الاعتراض الإسرائيلي”.
مخرج لبري
وبحسب الموقع: “إن تحالف حزب الله وحركة أمل هو شراكة محسوبة شكلت جوهر “الثنائي الشيعي” في لبنان منذ نهاية الحرب الأهلية عام 1990، ويقود بري حركة أمل منذ عام 1980 ويشغل منصب رئيس مجلس النواب منذ عام 1992، وهو أعلى منصب مخصص للشيعة بموجب نظام تقاسم السلطة الطائفي في لبنان. وتزامن صعوده إلى منصب رئيس المجلس مع صعود حزب الله بقيادة حسن نصر الله، الذي اغتيل في الحرب الأخيرة، فهيمن الحزبان معًا على التمثيل السياسي للطائفة الشيعية وعلى جزء كبير من شبكة المحسوبية في الدولة. حتى في خضم التوترات، عمل بري مراراً وتكراراً كمحاور مؤسسي لحزب الله، بما في ذلك خلال المفاوضات التي أسفرت عن وقف إطلاق النار في تشرين الثاني 2024. وبحسب أشخاص مطلعين على دائرة بري وعلى تفكير حزب الله الداخلي، فإن العنصر الأكثر أهمية من الناحية السياسية في دعم بري لقرار حظر النشاط العسكري لحزب الله لم يكن القطيعة الظاهرة نفسها، بل القيمة الاستراتيجية للظهور بمظهر من يخلق هذه القطيعة”.
وتابع الموقع: “إن الرواية التي تقول إن بري دعم الحكومة بدافع الغضب من تحرك حزب الله، من وجهة النظر هذه، لم تكن قطيعة حقيقية بقدر ما كانت موقفاً سياسياً محسوباً، وهو موقف فهم كلا الجانبين أنه يمكن أن يخدم غرضاً أعمق. فمن خلال السماح لبري بالظهور بمظهر المنأى علناً عن حزب الله في لحظة التصعيد مع إسرائيل، حافظ المعسكر السياسي الشيعي على خط دفاعي في حالة حدوث أسوأ نتيجة عسكرية، وإذا انتهت المواجهة بضربة مدمرة لحزب الله، فسيظل بإمكان بري أن يضع نفسه كشخصية مؤسسية قادرة على التفاوض على الشروط، واحتواء التداعيات، والعمل كضمانة سياسية للمجتمع الشيعي. وتقول المصادر إن الهدف لم يكن الإشارة إلى انقسام استراتيجي، بل ضمان أنه حتى في أسوأ السيناريوهات، لن تؤدي الهزيمة العسكرية إلى انهيار سياسي كامل لقيادة الطائفة”.
ضربة استباقية
وبحسب الموقع: “قال مصدر مقرب من “حزب الله” إن الأخير يعتقد أن اجتماع مجلس الحرب الإسرائيلي كان على وشك اتخاذ قرار كبير ضده في تلك الليلة نفسها، استناداً جزئياً إلى تقييمات متداولة عبر قنوات لبنانية. وفي هذا السياق، لم يكن القصف الليلي مجرد عمل انتقامي فحسب، بل كان أيضاً عملاً استباقياً: وسيلة لفرض تحول فوري على الأرض، وإخلاء الأفراد والمدنيين من المناطق المعرضة للخطر، والحد من حجم الخسائر قبل رد إسرائيلي متوقع. تساعد هذه الحسابات في تفسير استعداد الحزب الواضح لتحمّل التكلفة السياسية لإطلاق النار على إسرائيل بعد أشهر من ضبط النفس، كما أنها تُلقي الضوء على سبب كون قرار الحكومة، رغم أهميته التاريخية، ليس مفاجئاً تماماً داخل حزب الله. بالنسبة للعديد من اللبنانيين، أعاد التصعيد الأخير إلى الأذهان ذكريات حرب الـ 66 يوماً، والأسابيع الأخيرة المدمرة من الصراع عبر الحدود بين “حزب الله” وإسرائيل الذي اندلع منذ أن بدأ الحزب شن هجمات تضامناً مع الفلسطينيين الذين قتلوا في غزة”.
وتابع الموقع: “شهد يوم 23 أيلول 2024، وهو اليوم الأكثر دموية في تاريخ لبنان، استشهاد 492 شخصاً، ووصل عدد الشهداء على مدى يومين إلى 569، مما يمثل واحدة من أكثر الفترات دموية في لبنان منذ عقود. وفي هذا السياق، يقول أشخاص مطلعون على تفكير حزب الله إنه على الرغم من أن الخسائر التي تكبدها الحزب هذا الأسبوع كانت فادحة، إلا أنها ظلت أقل من الخسائر التي كان يخشاها من هجوم إسرائيلي مفاجئ، ومن المرجح أن تحدد الأحداث اللاحقة أكثر من مجرد مصير تبادل عسكري واحد. تمثل خطوة الحكومة أوضح محاولة حتى الآن من جانب الدولة اللبنانية لفرض احتكارها للشؤون العسكرية والأمنية في أعقاب الخسائر الفادحة التي تكبدها حزب الله في الحرب الأخيرة، وفي ظل الاضطرابات الإقليمية المرتبطة بالصراع الإيراني، لكنها تُبشّر أيضاً بفصل جديد متقلب. إن أي محاولة لتحويل قرار مجلس الوزراء إلى إجراء عملي تنطوي على مخاطر المواجهة، ليس فقط بين الدولة وحزب الله، ولكن أيضاً بشأن ميزان القوى الداخلي المستقبلي في لبنان”.
وختم الموقع: “في الوقت الراهن، الرسالة المقبلة من بيروت واضحة: الصيغة القديمة، التي كان “حزب الله” يختار فيها متى يقاتل بينما تدير الدولة التداعيات، تواجه تحدياً مباشراً، وسيعتمد ما إذا كان هذا التحدي سيؤدي إلى إعادة تنظيم داخلية حقيقية أو سيؤدي إلى شرخ أعمق على التطورات في الأيام المقبلة”.











اترك ردك