يمكن فهم الاستشراس الإسرائيلي في تصعيد الغارات وعمليات الاغتيال، فضلًا عن تعزيز التوغل الأرضي في المنطقة الجنوبية الحدودية، لا سيما وأن الجميع فوجئ بحجم الإمكانات، التي ما زال يمتلكها “الحزب” صاروخيًا ولوجستيًا وعدة وعديدًا. ولذلك، ثمة قناعة تكوّنت ويتشارك فيها الأميركيون والإسرائيليون بضرورة تعطيل القدرة العسكرية لـ “حزب الله” بشكل حاسم ولو كان الثمن باهظًا، في ظل عجز السلطات اللبنانية عن إنجاز المطلوب بالشكل الكافي لأسباب بعضها مفهوم نسبيًا وبعضها غير مفهوم قطعًا.
ويبدو أن خيار إسرائيل، هو الأرض المحروقة جنوب الليطاني، لأن “حزب الله” عرف كيف يحتمي في بيئته وسط البلدات والقرى، وتاليًا فإن “تجفيف” هذه البيئة عبر تهجيرها هو أفضل خيار في الحسابات الإسرائيلية، علمًا أن ما ينال الضاحية الجنوبية لبيروت من تدمير منهجي كان محسوبًا، ولكن كخيار أخير وبعيد، على أن التطورات الأخيرة جعلته مفتوحًا أمام إسرائيل على رغم طابعه العشوائي والدموي أحيانًا كثيرة.
والملفت أن سياسة الأرض المحروقة التي تطول جنوب الليطاني وتتمدد نسبيًا إلى شماله مع الضاحية، ترفدها إسرائيل بغارات تدميرية منهجية بدأت تتفاقم وتيرتها بقاعًا، في وقت تتجه الأنظار إلى الحدود الشرقية والشمالية الشرقية مع تصاعد مؤشرات التوتر بين “الحزب” والنظام السوري الجديد، علمًا أن المخاوف من اجتياح سوري واسع كما يروّج البعض في غير محلها، والإجراءات التي اتخذها الرئيس أحمد الشرع ويتابعها شخصيًا كما يقول سياسي سيادي لبناني، هي فعلًا دفاعية ووقائية، ولا تقتصر على البعد العسكري، بل تشمل تعزيز ضبط الحدود حيال أعمال تهريب البشر والسلاح والممنوعات، علمًا أن هناك ضمانات أميركية وسعودية حول ضوابط أي تحرك عسكري سوري تجاه لبنان، مع الإشارة إلى أن استحضار الخطر على المسيحيين في بلدات بقاعية حدودية عدة، فيه الكثير من الافتعال، ويهدف إلى إشاعة البلبلة من قبل جماعة الممانعة واستعادة نغمة الدفاع عن المسيحيين، وكأن الجيش اللبناني غير موجود. ويضيف، في أسوا الأحوال وإذا عاود “حزب الله” التحرش بالداخل السوري عبر الحدود عبر إطلاق صواريخ أو قذائف أو عبر الإصرار على تهريب السلاح والذخائر، فإن لا شيء يمنع مبادرة القوات السورية إلى تنفيذ عمليات في إطار الهجوم الدفاعي، على أن تكون محدودة وموضعية وتنحصر بمواجهة مجموعات معينة من “حزب الله”.
في أي حال، تثقل التطوررات جنوبًا ووسطًا وبقاعًا الضغط على الجيش اللبناني والمهمات المطلوبة منه، علمًا أن “حزب الله” من خلال بعض أصواته وأبواقه، يعمد إلى توجيه رسائل تشكيكية بالجيش وصلت إلى حد التهويل ببوادر انشقاق ما، وهي على خطورتها لا تعكس أي وقائع جدية. وبحسب أوساط عليمة، فإن الجيش اللبناني قادر وأقوى مما يتصوره أو يصوره البعض، وتماسكه غير خاضع للجدل، وقد أثبت ذلك في محطات صعبة ومحرجة كما في حرب مخيم البارد وصدامات عبرا والطيونة، كما إن وحدات النخبة والوحدات القتالية الأساسية في الجيش، تبقى الركيزة الأبرز وهي تتمتع بعصب وطني وعسكري مشهود، يتخطى كل الحسابات الفئوية. وإذا كانت الصورة من هذه الناحية مطمئنة، فإن المطلوب كما تخلص الأوساط نفسها هو حماية المؤسسة العسكرية من التداعيات السياسية ومن محاولة تحميلها تبعات أخطاء وثغرات على المستوى السياسي، وتاليًا ، لا يجوز الرهان على استضعاف الجيش حيال أي تحد يواجهه بحجة ادعاء خلل ما على صعيد القرار، لأن الجيش كجيش خط أحمر، والباقي تفاصيل.










اترك ردك