عندما يُقتلع النازح من جذوره
في هذا السياق، يرى الدكتور دال حتّي، الأستاذ الجامعي والناشط المجتمعي ورئيس “جمعية مبادرات وقرارات”، في حديث عبر “لبنان٢٤”أن الإنسان يعيش طوال حياته باحثاً عن الأمان. فالأمان، برأيه، ليس مجرد شعور عابر، بل هو الأساس الذي يمنح الإنسان القدرة على التفكير بحرية، والإنتاج، والابتكار. وعندما يتوفر الأمان، يستطيع الفرد أن يبني حياته ومستقبله وأن يساهم في بناء مجتمعه.
ويشير حتّي إلى أن التاريخ في لبنان والمنطقة يؤكد أننا نادراً ما عرفنا الأمان المطلق. فالأزمات المتكررة، والحروب، والسياسات الخاطئة، كلها عوامل جعلت هذا الشعور هشّاً وقابلاً للاهتزاز في أي لحظة. ومع تكرار الصدمات، يصبح الأمان حاجة ملحّة يبحث عنها الناس أكثر من أي وقت مضى.
ويضيف أن الشعوب عندما تتعرض للحروب تتحول لديها غريزة البحث عن الأمان إلى أولوية قصوى، إذ يسعى الإنسان أولاً إلى حماية نفسه وعائلته، لأن العائلة تبقى الركيزة الأساسية في مجتمعاتنا. ومن هنا يبدأ الناس بالبحث عن الأمان النفسي والاجتماعي، تماماً كما يبحثون عن المأوى والطعام.
ويتابع حتّي أن الحروب كثيراً ما تدفع الشعوب إلى النزوح، فيُقتلع الإنسان من بيئته الطبيعية وينفصل عن تفاصيل حياته اليومية: عن الحي الذي يعرفه، والدكان الذي اعتاد المرور به، ومكان العبادة، والجيران، وكل ما شكّل جزءاً من ذاكرته وانتمائه.
ويشرح أن الإنسان عندما يصبح نازحاً يبدأ رحلة جديدة من البحث عن الأمان مجدداً، وعن الشعور بالانتماء الذي فقده فجأة. وترافقه أسئلة كثيرة لا تفارقه:
هل سيعود؟
كيف سيعود الى بلدته او قريته؟
هل سيبقى بيته كما هو، أم دمّرته الحرب؟
ويلفت إلى أن النازح يخشى أيضاً أن يفقد مجتمعه وهويته، فحين يُقتلع الإنسان من جذوره يبدأ بالبحث ليس فقط عن الحماية ولقمة العيش، بل عن الاستمرارية وعن مكان يشعر فيه بأنه ما زال ينتمي.
ويضيف أن النازحين يعيشون أحياناً بين خوفين: خوف مما تركوه خلفهم، وخوف مما ينتظرهم في المكان الجديد، خصوصاً مع القلق من أن يتلاشى التضامن مع مرور الوقت أو أن يرفضهم المجتمع الذي لجأوا إليه.
ويرى حتّي أن هذه المخاوف قد تتفاقم عندما تتكرر تجربة النزوح أو عندما تكون ظروف المكان الذي لجأ إليه الناس صعبة وغير مستقرة، ما يخلق حالة دائمة من التوتر والقلق.
صراع البقاء… قراءة نفسية في مشهد النزوح
في البعد النفسي، توضح الدكتورة ديزيره قزي، المتخصصة في علم النفس العيادي، في حديث عبر “لبنان٢٤” أن مشهد ترك الناس لمنازلهم وكل ما يملكون بشكل مفاجئ يحمل دلالات نفسية عميقة. وتشرح أن الإنسان عندما يترك منزله وأغراضه وكل ما يرتبط بذاكرته بشكل سريع، فهذا يعني أن غريزة البقاء أصبحت أقوى من أي ارتباط بالمكان أو الممتلكات.
ففي لحظات الخطر يعمل الدماغ بما يُعرف بـ«وضع النجاة» (Survival Mode)، حيث تصبح الأولوية المطلقة للحفاظ على الحياة الجسدية، فيما تتراجع أهمية الذاكرة والممتلكات وكل ما هو مادي.
وتشير قزي إلى أن هذا السلوك لا يقتصر على الفرد فقط، بل يعكس أيضاً تحولات اجتماعية داخل المجتمع. فالنزوح الجماعي غالباً ما يدل على انهيار الإحساس بالأمان الجماعي وفقدان الثقة بالاستقرار الأمني أو السياسي. كما أن الخوف قد ينتقل من شخص إلى آخر، إذ إن رؤية الناس وهم يغادرون تدفع الآخرين إلى اتخاذ القرار نفسه، فيتكرس ما يشبه السلوك الجماعي للنزوح.
وتضيف أن تكرار هذه المشاهد في المجتمعات التي عاشت حروباً متتالية يكشف عن وجود ذاكرة جماعية للصدمة. فالتجارب السابقة تجعل الناس أكثر سرعة في اتخاذ قرار الهروب، لأنهم تعلّموا من الماضي أن الخطر قد يتصاعد بسرعة وأن التأخر في المغادرة قد يكون مكلفاً.
وفي ما يتعلق بتحول الخوف إلى صدمة طويلة الأمد، توضح قزي أن الخوف في الأصل استجابة طبيعية تهدف إلى حماية النفس، لكنه قد يتحول إلى صدمة نفسية عندما يترافق مع عوامل معيّنة، مثل شدة الحدث كالقصف أو التهديد المباشر للحياة، والشعور بالعجز الكامل عن حماية النفس أو الآخرين، واستمرار التهديد لفترة طويلة من دون أفق واضح لنهايته، إضافة إلى غياب الدعم النفسي أو الاجتماعي بعد وقوع الحدث.
وتلفت إلى أنه في مثل هذه الحالات يبقى الجهاز العصبي في حالة يقظة مفرطة وكأن الخطر لا يزال قائماً، ما قد يظهر من خلال القلق المستمر، والكوابيس، واسترجاع المشهد الصادم، إضافة إلى حساسية مفرطة تجاه الأصوات أو الأخبار المرتبطة بالحدث.
وتتحدث قزي أيضاً عن الفرق بين خوف الأطفال وخوف البالغين في ظروف الحرب والنزوح. فالأطفال، بحسب قولها، يعيشون الخوف بطريقة أكثر غريزية وبساطة، إذ يشعرون بالتهديد عندما يرون خوف الوالدين. وغالباً ما يظهر خوفهم عبر البكاء، أو التعلّق الزائد بالأهل، أو التبول اللاإرادي، أو الانسحاب والصمت. فالطفل لا يفهم الحدث في سياقه السياسي أو التاريخي، بل يختبره أساساً على أنه فقدان للأمان.
وفي ما يتعلق بتجربة النزوح نفسها، تؤكد قزي أن النازح لا يفقد المكان فقط، بل قد يشعر أيضاً بأنه فقد الإحساس بالاستمرارية والهوية المرتبطة بذلك المكان. لذلك فإن الشعور بفقدان السيطرة أو بفقدان “كل شيء” هو شعور طبيعي في مثل هذه الظروف.
ولمواجهة هذه الحالة نفسياً، تنصح قزي بخطوات عدة، منها الاعتراف بالمشاعر وعدم إنكار الحزن أو الغضب، لأن التعبير عنها يساعد على عدم تحولها إلى صدمة مكبوتة. كما تشير إلى أهمية إعادة توفير روتين يومي بسيط حتى في ظروف النزوح، مثل تحديد أوقات للنوم والطعام، لما لذلك من دور في إعادة قدر من الاستقرار النفسي.
كذلك تشدد على أهمية الحفاظ على الروابط الاجتماعية والتواصل مع العائلة والأصدقاء، لأن ذلك يخفف من الشعور بالعزلة ويعيد بناء شبكة الأمان النفسي. كما تنصح بالتركيز على ما بقي وليس فقط على ما فُقد، فمجرد النجاة يمكن أن يكون نقطة انطلاق لإعادة بناء المعنى. وتضيف أن التعبير بالكلام أو الكتابة عن التجربة يساعد العقل على تنظيمها وفهمها، بدلاً من أن تبقى مجرد خوف داخلي غير مفهوم.
يعيش آلاف المواطنين على أملٍ أن تنتهي الحرب، وأن يعودوا إلى بيوتهم سالمين، من دون أن يفقدوا أحداً من أحبائهم، وأن يجدوا أرضهم كما زرعوها، وبيوتهم كما تركوها، لا دمار فيها ولا احتلال، أن يُعيدوا بناء حاضرهم من دون أن تسرقهم الحرب مجدداً من جذورهم.
المصدر:
خاص لبنان 24











اترك ردك