حزب الله و”الثلاثي السياسي”… تقاطعات تمهّد لتوازنات جديدة

تفرض المرحلة الراهنة على “حزب الله” إعادة ترتيب أولوياته الداخلية، في ظلّ تبدّل موازين القوى وتراجع هامش المناورة السياسية الذي كان يتمتع به في مراحل سابقة. وفي هذا السياق، تبرز مقاربة مختلفة لعلاقته مع ثلاث قوى سياسية هي “الحزب التقدمي الاشتراكي” و”التيار الوطني الحر” و”تيار المستقبل”، إذ لم تعد أهمية هذه القوى، من وجهة نظر “الحزب”، مرتبطة بمواقفها من سلاحه أو خياراته الاستراتيجية وحدها، بل بالدور الذي تؤدّيه في منع انتقال الخلاف السياسي إلى مواجهة داخلية. وعلى الرغم من استمرار التباعد معها بشأن حصرية السلاح بيد الدولة، فإن “الحزب” يجد في مواقفها من إسرائيل ورفضها الاحتكام إلى القوة في الداخل تقاطعاً يلبّي جانباً أساسياً من احتياجاته السياسية في المرحلة الحالية.

وتشير مصادر مطلعة إلى أن “الحزب” بات يتعامل مع هذه القوى انطلاقاً من حسابات أكثر ارتباطاً بمتطلبات المرحلة، بعدما أصبحت المحافظة على الاستقرار الداخلي ورفض المواجهة مع الجيش من الأولويات التي تتقدّم على الاعتبارات التقليدية للتحالف والخصومة. فجنبلاط وباسيل و”المستقبل” لا يقدمون للحزب غطاءً سياسياً لسلاحه، ولا يتراجعون عن المطالبة بحصريته بيد الدولة، لكنهم في المقابل يرفضون أن يتحوّل هذا الملف إلى مدخل لصراع داخلي، ويتمسّكون بموقف رافض للاعتداءات الإسرائيلية ولأي تسوية تقوم على الخضوع للشروط الإسرائيلية.

وبحسب المصادر، فإن هذين الموقفين يوفران لـ”لحزب” ما يحتاج إليه في المرحلة الراهنة، خصوصاً أنه يدرك صعوبة استعادة المعادلات السياسية السابقة في ظلّ التحولات التي طرأت على موقعه وقدرته على التأثير. ومن هنا، لم يعد الخلاف حول السلاح كافياً وحده لتحديد طبيعة علاقته مع سائر القوى، بعدما أصبح التمييز بين المطالبة بحصرية السلاح والدعوة إلى نزعه بالقوة عاملاً أساسياً في تقييمه للمواقف الداخلية. فـ”الحزب” يستطيع التعامل سياسياً مع خصوم يطالبون بحصر سلاحه ضمن مسار تفاوضي أو تسوية وطنية، لكنه ينظر بصورة مختلفة إلى أي توجه قد يدفع نحو مواجهة داخلية.

ولا يعني هذا التقاطع أن العلاقة بين الأطراف الثلاثة و”الحزب” تتجه نحو تحالف سياسي جديد، إذ تبقى الخلافات حول موقع الدولة ومستقبل السلاح والخيارات الاستراتيجية قائمة. غير أن المصادر تلفت إلى أن “حزب الله” لا يشترط في الظروف الراهنة توافقاً شاملاً مع هذه القوى، بل يعتبر أن التقاءها معه على رفض الاعتداءات الإسرائيلية ومنع الفتنة الداخلية يشكّل أرضية كافية لإدارة العلاقة بصورة إيجابية، حتى لو استمرّت المواجهة السياسية معه في ملفات أخرى.

وتكتسب هذه المقاربة أهمية إضافية بالنظر إلى اختلاف الخلفيات السياسية والشعبية لكل من جنبلاط وباسيل و”المستقبل”، الأمر الذي يمنح هذا التقاطع امتداداً يتجاوز حدود العلاقة الثنائية مع “حزب الله”. فهذه القوى لا تنطلق من موقع سياسي واحد، ولا تجمعها بالضرورة رؤية موحّدة لجميع الملفات، لكنها تلتقي عند ضرورة تجنيب البلاد صداماً داخلياً، وعدم السماح بأن تتحول معالجة الخلاف حول السلاح إلى مواجهة بين اللبنانيين. وهذا ما يمنح مواقفها، وفق المصادر، وزناً خاصاً في الحسابات المتعلقة بالمرحلة المقبلة.

وتذهب المصادر أبعد من ذلك، إذ تتحدث عن احتمال أن يشكّل هذا الثلاثي، بعد التوصل إلى تسوية سياسية، نواة لما تصفه بـ«خط الوسط» في لبنان، على أن تنضم إليه شخصيات وقوى حزبية أخرى تتقاطع معه حول إدارة المرحلة الجديدة. ولا تفترض هذه القراءة قيام تكتّل موحّد أو ذوبان التباينات بين مكوناته، وإنما نشوء مساحة سياسية قادرة على التعامل مع الملفات الخلافية بعيداً عن منطق الاصطفاف الحاد، بما يسمح بإنتاج توازنات داخلية مختلفة عن تلك التي حكمت الحياة السياسية خلال السنوات الماضية.

لكن تشكّل هذا “الوسط” يبقى مرتبطاً بطبيعة التسوية المقبلة وبمدى قدرة القوى المعنية على ترجمة تقاطعها الحالي إلى موقف سياسي مستمر، خصوصاً أن الاتفاق على منع المواجهة لا يعني بالضرورة الاتفاق على كيفية معالجة أسبابها. كما أن رفض نزع السلاح بالقوة لا يقدّم بحد ذاته حلاً لمسألة حصرية السلاح، بل يضع حدوداً للوسائل التي يمكن اعتمادها في الوصول إلى هذا الهدف، وهو ما يجعل التسوية السياسية اختباراً فعلياً لهذا التقاطع.

في المحصلة، تكشف المعطيات عن تحوّل في طبيعة الحسابات الداخلية لـ”حزب الله”، حيث لم يعد التقارب معه مشروطاً بتأييد خياراته، كما أن الخصومة معه لم تعد تعني بالضرورة الانخراط في مشروع يستهدفه داخلياً. وبين هذين الحدّين، تتبلور مساحة سياسية قد يكون لها دور في رسم توازنات المرحلة المقبلة. فالمعادلة التي تتشكل اليوم لا تقوم على إنهاء الخلاف مع “الحزب”، بل على منع تحويل هذا الخلاف إلى حرب داخلية. أما الامتحان الأصعب فسيأتي بعد التسوية، حين يصبح على القوى التي اتفقت على منع الصدام أن تتفق على شكل الدولة التي تريد بناءها، وعلى موقع السلاح فيها. وعندها فقط سيتّضح ما إذا كان هذا “الوسط” مشروعاً سياسياً قابلاً للاستمرار، أم مجرّد تقاطع فرضته ظروف الأزمة.