إلا أن هذه التطورات الميدانية، على خطورتها ومدى انعكاسها على الواقع اللبناني لمجمله، لا تمنع من التوقف عند محطة داخلية لها دلالات ومؤشر ات لا يمكن للمرء تجاوزها بحجة أن ما يحصل في المنطقة أهمّ بكثير من القضايا الداخلية على رغم أهميتها.
فمع دخول الحكومة اللبنانية سنتها الثانية، يبقى السؤال الأساسي الذي يشغل اللبنانيين هو: هل تغيّرت المعادلة، أم أننا أمام نسخة مكررة من السنة الأولى؟ السنوات القليلة الماضية أظهرت إلى حدّ ما قدرة الحكومة على البقاء في موقع إيهام الناس بأنها استطاعت أن تسيطر، ولو نظريًا، على شارع يغلي، فيما المواطن يدفع ثمن التراكمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. وعلى رغم الوعود الكبيرة عند تشكيلها، فإن ما تحقق عمليًا كان محدودًا، مما يعكس فجوة بين الطموحات المعلنة والواقع على الأرض، ويطرح علامات استفهام عن مدى الجدية في إدارة الدولة والتفاعل مع الضغوط الداخلية والخارجية.
ومن استمع إلى رئيس الحكومة نواف سلام وهو يفنّد ما تمّ إنجازه من خطوات في السنة الأولى من عمر حكومة العجز والفشل اعتقدوا أن الرجل يعيش في زمن آخر، أو أنه يتحدّث عن بلد لا يشبه لبنان بواقعه المرير المثقل بالأزمات العالقة والمتراكمة فوق صدور اللبنانيين، الذين جعلتهم هذه الحكومة يكفرون بكل ما قيل وسيقال عن “اجازات وهمية” لا وجود لها سوى في زواريب سراي قد أصبحت دون حجم الأحلام الكبيرة. ولا يفيدنا بشيء إعادة الإضاءة على المواقف، التي أعلنها رئيس الحكومة لمناسبة مرور سنة من عمر حكومته، ولكن قد يكون مفيدًا العودة إلى ما قاله لإثبات حال الانكار التي يعيشها الرجل، والذي يبدو أن صدى أنين المواطنين لا يصل إلى مسامعه. وقد يكون بقوله بأن ما يعيشه لبنان أفضل بكثير مما كانت عليه أوضاعه قبل سنة قد بلغ قمة الانكار.
ويخشى الذين رأوا في انتخاب العماد جوزاف عون رئيسًا للجمهورية بعد سنتين وشهرين على الفراغ القاتل، أن ينعكس فشل الحكومة على أداء العهد، الذي طوى بدوره سنته الأولى، وكان يُأمل منه تنفيذ خطوات إنقاذية وإصلاحية مهمة. وإذا بقيت هذه الحكومة متربعة على صدور اللبنانيين إلى أجل غير مسمّى، فإن منسوب الآمال الموضوعة على رئيس الجمهورية سيتضاءل بطبيعة الحال، خصوصًا أن الحكومة أظهرت من خلال قراراتها الأخيرة ملامح سياسات اقتصادية غير متوازنة.
فهذه الثمار تجسّدت في رفع سعر صفيحة البنزين بما يوازي أربع دولارات بالليرة اللبنانية، ورفع قيمة الضريبة على القيمة المضافة (TVA) إلى 12 في المئة، في وقت يعاني فيه الشعب من ضائقة مالية غير مسبوقة. كما أظهرت الموازنة العامة لسنة 2026، ومشروع قانون الفجوة المالية، محدودية مقاربة الحكومة للأزمة المالية، خصوصًا أن عشرة وزراء من أصل 24 رفضوا المشروع لما تضمنه من “هرطقات” مالية لا تُغتفر.
وحتى القرارات التي كان يُنظر إليها على أنها “سيادية”، مثل حصر السلاح بيد القوى الشرعية وحدها دون سواها، فقدت قيمتها وصدقيتها عمليًا، عبر ما برز على أرض الواقع من “صفقة سياسية” بين رئيس الحكومة و”الثنائي الشيعي”، والتي أدّت إلى تعويم حكومة الموازنة الساقطة، وتكرار منطق التسويات الفوقية على حساب المصلحة الوطنية.
وإضافة إلى الضغوط الداخلية، لم ينجح أداء الحكومة في تعزيز الثقة الدولية بلبنان، وهو عامل حاسم في مرحلة اقتصادية وسياسية دقيقة. فالمجتمع الدولي، وخصوصًا واشنطن وباريس، يراقب عن كثب قدرة الحكومة على تنفيذ الإصلاحات ومراقبة الأمن على الحدود، وعلى رأسها حصر السلاح بيد الدولة. أما الاستمرار في التسويات السياسية وإغفال ملفات أساسية في شمال نهر الليطاني، فقد أثار علامات استفهام جدّية حول جدية الدولة اللبنانية في التغيير.
أمّا على الصعيد الإقليمي، وقبل دخول المنطقة في المجهول، أثبتت السنة الأولى أن الحكومة لم تتكن تملك هامش المبادرة الذي كان يُأمل به عند تشكيلها، وأن أي خطوة محتملة لإعادة ترتيب العلاقات أو تعزيز الأمن الإقليمي تبقى رهينة تفاهمات داخلية تفكك الصدقية العامة. في هذا السياق، يربط المجتمع الدولي أي دعم عسكري أو اقتصادي بمستوى الالتزام بالإصلاحات، مما يجعل من كل تأخير أو تقصير في الملفات السيادية رسالة واضحة بأن لبنان لا يزال عالقًا بين مصالح القوى السياسية الداخلية، فيما المواطن هو المتضرر الأول.
فإذا كان من يعتقد أن السنة الثانية للحكومة ستكون فرصة لتصحيح المسار وإعادة الثقة، فإن الوقائع تشير إلى عكس ذلك، والدليل غياب النية في اجراء أي إصلاحات جدية، مع التمديد المحتمل للمجلس النيابي، وتعطيل الملفات السيادية، مما يجعل المواطن رهينة سياسات حكومية متكررة، والدولة اللبنانية عرضة لعزلة دولية وضغوط إقليمية. والسؤال الذي يبقى مطروحًا على كل لبناني ومراقب: هل ستظل الحكومة مجرد إدارة للأزمات، أم أن هناك من يسعى فعليًا إلى إنتاج حلول ملموسة قبل فوات الأوان، ؟











اترك ردك