هذه الزيادة تُعدّ هائلة وكبيرة جداً وتنطوي على مفاعيل تضخّمية واسعة. والتداخل بين العاملين الضريبي والخارجي فرض ضغوطاً إضافية على اقتصاد يعاني أصلاً من هشاشة بنيوية عميقة. لكنّ الفرق بين الزيادة الضريبية الحكومية وتلك المتعلقة بالسعر العالمي، أن الأولى لم تكن مرتبطة بعوامل السوق أو كلفة الاستيراد، بل جاءت كإجراء مالي يهدف إلى تعزيز إيرادات الدولة في ظل عجز مزمن في المالية العامة، بينما جاءت الثانية خارجاً عن أي إرادة محلية وهي شاملة وضمن مسار تصاعدي خطير أيضاً.
هذا الارتفاع المُركّب حمل، وسيحمل، انعكاسات اقتصادية واسعة تتجاوز قطاع المحروقات نفسه. أول هذه الانعكاسات يظهر في كلفة النقل، التي تشكّل مدخلاً أساسياً في تسعير معظم السلع والخدمات. ومع ارتفاع أسعار البنزين، ترتفع تلقائياً كلفة نقل البضائع والركاب، ما يؤدّي إلى موجة تضخمية جديدة تُضاف إلى مستويات الأسعار المرتفعة أصلاً.
والحديث هنا ليس عن زيادة بسيطة في سعر النقل، بل عن زيادة نسبتها 60.8%، ما يعني أن هذه الانعكاسات ستكون واضحة وستظهر بشكل سريع على الأسعار في اقتصاد يعتمد بشكل كبير على الاستيراد، أي إن التضخم الآتي من الخارج يظهر بسرعة على غالبية السلع التي يستوردها لبنان، ولا سيما أسعار المواد الغذائية والاستهلاكية، وهو ما يضغط بشكل مباشر على القدرة الشرائية للأسر.
كما أن ارتفاع أسعار المحروقات ينعكس على كلفة الإنتاج في عدد من القطاعات، ولا سيما تلك التي تعتمد على النقل أو على المولّدات الخاصة، مثل الصناعة الخفيفة، الزراعة والتجارة. هذا الواقع يحدّ من قدرة المؤسسات على الحفاظ على هوامش أرباحها، ويدفع بعضها إلى تقليص نشاطه أو رفع الأسعار، ما يساهم في تباطؤ النشاط الاقتصادي.
كما أن هذا الارتفاع في أسعار البنزين يطرح إشكالية إضافية تتعلّق بميزان المدفوعات والطلب على الدولار. فلبنان، بصفته بلداً مستورداً بالكامل للمحروقات، يضطر إلى تأمين كميات أكبر من العملات الأجنبية لتمويل فاتورة الاستيراد كلما ارتفعت الأسعار العالمية.
ومع صعود أسعار النفط، ترتفع تلقائياً قيمة هذه الفاتورة حتى لو بقيت الكميات المستوردة على حالها، ما يزيد الضغط على سوق الصرف ويُفاقِم الطلب على الدولار. وفي اقتصاد يعاني أصلاً من شحّ في التدفّقات الخارجية، يمكن لهذا العامل أن ينعكس بشكل غير مباشر على سعر الصرف، المُثبَّت من قبل مصرف لبنان، سواء عبر زيادة الطلب في السوق أو عبر استنزاف ما تبقّى من العملات الأجنبية في الدورة الاقتصادية.
وهذا يعني أن جزءاً من ارتفاع أسعار البنزين قد يعود ليظهر مجدّداً في شكل ضغوط إضافية على الليرة، ما يدفع مصرف لبنان إمّا إلى ضخ الدولار في السوق وخسارة جزء من الاحتياطات على الاستهلاك، أو بحرمان السوق من الليرة، ما يتسبّب بمشكلة سيولة في السوق.
الأسئلة المطروحة هي على النحو الآتي: ما الكلفة التي ستترتب على الأسر في لبنان نتيجة هذا الارتفاع الجنوني في الأسعار؟ ضمن أي مدى زمني بإمكان وزارة الطاقة ومؤسسة كهرباء لبنان أن تؤمّنا الكميات اللازمة من الفيول والديزل لإبقاء مستويات التغذية على حالها؟ لا شكّ في أنها ستكون كلفة مرتفعة، ولا شكّ في أن ارتفاع الأسعار سينعكس تدنّياً تدريجياً في التغذية إذا سجّلت الأسعار مزيداً من الارتفاع، إذ لا يجب إغفال أمر أساسي يتعلق بأن كمية لا بأس بها من الفيول أتت إلى لبنان في الفترة الماضية على شكل هبات يصعب تكرارها في ظل الظروف الحالية.
وأي تراجع في تغذية كهرباء الدولة سيؤدي مباشرة إلى زيادة الاعتماد على المولدات، التي ارتفعت تسعيرتها أيضاً بسبب ارتفاع سعر المازوت، ما يضاعف الضغط المالي على الأسر. بهذا المعنى، ثمة أزمة مقبلة، وعلى وزير الطاقة أن يبلغ اللبنانيين كيف سيتعامل معها.
هي الزيادة المتوقّعة على سعر صفيحة المازوت في الأيام المقبلة بسبب ارتفاع سعره العالمي إلى 1330 دولاراً مقارنة مع سعر جدول تركيب الأسعار الصادر أمس بقيمة 1120 دولاراً












اترك ردك