لبنان في عين العاصفة الاقتصادية
في قراءة للتداعيات الاقتصادية المحتملة، يرى الباحث في كلية سليمان العليان لإدارة الأعمال في الجامعة الأميركية في بيروت في حديث لـ “لبنان 24” أنّ ما يجري اليوم لا يمكن التعامل معه كحرب إقليميّة عابرة، بل كعامل قد يعيد رسم توازنات الاقتصاد الدولي، لاسيّما بالنسبة إلى الدول التي تعتمد بشكل كبير على استيراد الطاقة، وتقع في الوقت نفسه تحت ضغط المديونيّة والأزمات الماليّة، وهو ما يضع لبنان في موقع بالغ الحساسيّة ضمن هذه المعادلة، التي غالبًا ما تؤدي إلى ارتفاع معدلات التضخم، تدهور قيمة العملات الوطنية، وأزمات في ميزان المدفوعات.
لبنان بين اقتصاد مفلس ومخاطر جيوسياسية مرتفعة
يواجه لبنان حربًا جديدة أكثر ضراوة من سابقتها، في وقت لم يتعاف اقتصاده بعد من الجولة السابقة، التي أنهكت اقتصاده وجعلته مُثقلاً بالخسائر في مختلف القطاعات الحيوية. واليوم يقف لبنان في واحد من أكثر المواقع هشاشة وفق فحيلي “إذ يجمع ثلاث نقاط ضعف أساسيّة تتمثّل في اقتصاد مفلس، ونظام مصرفي لم يخرج بعد من أزمته العميقة، إضافة إلى مخاطر جيوسياسيّة مرتفعة. فبينما تستطيع الاقتصادات الكبرى امتصاص صدمات الطاقة، بفضل متانة مؤسساتها الماليّة وقدرتها على التدخّل النقدي والمالي، يواجه لبنان هذه الصدمات في ظل هشاشة اقتصاديّة وماليّة غير مسبوقة”.ويشرح فحيلي أنّ أي ارتفاع كبير في أسعار النفط والغاز لا ينعكس في لبنان فقط على شكل زيادة في فاتورة الطاقة، بل يتحوّل سريعًا إلى ضغط شامل على الاقتصاد وعلى الاستقرار الاجتماعي “فلبنان يعتمد بشكل شبه كامل على استيراد الطاقة، في وقت يعاني فيه من ضعف العملة الوطنية ومن احتياطيات محدودة بالعملات الأجنبية. لذلك يتحوّل ارتفاع أسعار النفط من مسألة ماليّة إلى أزمة معيشيّة يوميّة تمسّ كلفة الكهرباء والنقل والإنتاج، بما في ذلك الإنتاج الغذائي”.
مخاطر جيوسياسية
أبعد من التأثير المباشر على سلاسل الإمداد وارتفاع الأسعار داخل الأسواق اللبنانيّة، يشير فحيلي إلى انعكاس أعمق للحرب ربطًا بما يعرف في الاقتصاد بعلاوة المخاطر الجيوسياسية “ففي الأسواق الماليّة لا تُقاس المخاطر بالأرقام الاقتصاديّة وحدها، بل بدرجة الاستقرار السياسي والأمني. وكلما ارتفعت احتمالات التصعيد العسكري في منطقة معينة، ترتفع تلقائيًا كلفة التمويل وتنخفض شهيّة المستثمرين للدخول إلى تلك الأسواق”. ويلفت فحيلي إلى أنّ هذا العامل يحمل خطورة مضاعفة بالنسبة إلى لبنان، الذي لا يزال يعيش تداعيات أزمة ماليّة عميقة لم تُحل بعد، كما لم يُستكمل مسار الإصلاحات المطلوبة لاستعادة الثقة الدولية. وفي مثل هذا السياق، يشكل أيّ توتر أمني إضافي ضربة جديدة لمحاولات استعادة ثقة المستثمرين وإعادة جذب رؤوس الأموال. ويضيف أن بعدًا آخر لا يقل أهميّة يتمثل في العلاقة مع المؤسسات المالية الدولية “إذ يحتاج لبنان إلى إعادة بناء علاقته مع المؤسسات الماليّة الدوليّة عبر برنامج إصلاحي واستقطاب دعم خارجي، غير أنّ التمويل الدولي، نادرًا ما يتدفّق نحو دول تقع على خطوط المواجهة الجيوسياسيّة، لأنّ المانحين والمستثمرين يبحثون عن بيئة يمكن التنبؤ بها على الصعيدين الأمني والسياسي. وعليه، فإن أيّ توسع للحرب، يضع لبنان أمام معادلة صعبة: اقتصاد يحتاج إلى الاستقرار لاستعادة الثقة، لكنه يقع جغرافيًّا وسياسيًا في قلب واحدة من أكثر المناطق توترًا في العالم.”
ثلاثة سيناريوهات اقتصادية لمسار الحرب
وفي ما يتعلق بالسيناريوهات المحتملة لاستمرار الحرب، يشير فحيلي إلى ثلاثة سيناريوهات، الأول يتمثّل في صدمة قصيرة الأمد، حيث تشهد أسعار النفط ارتفاعًا مؤقتًا قبل أن تعود إلى الاستقرار. أما السيناريو الثاني فهو صدمة تضخميّة أوسع، قد تدفع أسعار النفط إلى تجاوز عتبة المئة دولار للبرميل، ما يؤدي إلى تأجيل خفض أسعار الفائدة عالميًّا ويبطئ وتيرة الاقتصاد العالمي. أما السيناريو الثالث، وهو الأخطر، فيتمثّل في إغلاق طويل لمضيق هرمز، وهو ما تعتبره الأدبيات الاستراتيجية للطاقة إغلاقًا يمتد لأكثر من شهرين أو ثلاثة أشهر، الأمر الذي قد يطلق أزمة طاقة عالمية حقيقية.
ورغم قتامة هذه الصورة، لا يرى فحيلي أنّ لبنان محكوم بالانهيار الدائم. “فالتجربة الاقتصادية اللبنانية تظهر قدرة لافتة على التكيف مع الصدمات، مدفوعة بمرونة القطاع الخاص وقوة الانتشار اللبناني في الخارج وشبكات التحويلات الماليّة التي ساهمت مرارًا في تخفيف وطأة الأزمات. إلا أنّ هذه العوامل، مهما بلغت أهميتها، لا يمكن أن تشكّل بديلًا دائمًا عن دولة فاعلة واقتصاد منظّم”.
في المحصلة، تكشف الحرب الدائرة في المنطقة وعلى الجغرافيا اللبنانية مدى هشاشة الاقتصاد اللبناني، خصوصًا في ظلّ اعتماده الكبير على الاستيراد واستمرار أزمته الماليّة. وبينما يملك لبنان تاريخًا من القدرة على التكيف مع الأزمات، يبقى العامل الحاسم في قدرته على الصمود مرتبطًا بمدى نجاحه في تفادي حرب اسرائيلية شاملة على أرضه، وإطلاق إصلاحات اقتصاديّة.











اترك ردك