نتنياهو أم آيزنكوت؟ سلاح “حزب الله” يحسم النتيجة!

لا تبدو الانتخابات الإسرائيلية اليوم مجرّد استحقاق داخلي لتحديد هوية رئيس الحكومة المقبل، بل محطة قد ترسم ملامح المرحلة التالية من المواجهة الإقليمية، وتحدّد إلى حدّ بعيد طبيعة التعامل الإسرائيلي مع لبنان. فهل يستمر نهج بنيامين نتنياهو القائم على الضغط العسكري وربط الانسحاب بنزع سلاح “حزب الله”، أم يفتح وصول منافسه غادي آيزنكوت الباب أمام مقاربة مختلفة، من دون أن يعني ذلك بالضرورة تغيير الأهداف الأمنية الإسرائيلية؟

بالنسبة إلى لبنان، لا يكمن السؤال في اسم الفائز وحده، بل في ما إذا كانت الانتخابات ستشكّل مدخلًا لتسوية تعيد تثبيت السيادة اللبنانية، أم ستكرّس واقعًا ميدانيًا يبقى فيه الجنوب تحت ضغط الاعتداءات الإسرائيلية والتهديدات المتواصلة. فالمؤشرات المتاحة لا توحي بأن الخلاف بين الرجلين يشمل جوهر النظرة الإسرائيلية إلى سلاح “حزب الله” والوجود العسكري في جنوب لبنان، بقدر ما يتصل بأسلوب إدارة المواجهة وبالقدرة على ترجمة المكاسب العسكرية إلى نتائج سياسية.
فإذا تمكّن نتنياهو من الاحتفاظ بالحكم، فمن المرجّح أن تستمر السياسة التي أعلنها بوضوح، ومفادها أن إسرائيل لن تنسحب من المنطقة التي تحتفظ بها في جنوب لبنان قبل نزع سلاح “حزب الله” وإزالة ما تعتبره تهديدًا لأمن مستوطنات الشمال. وقد عبّر نتنياهو في مواقفه الأخيرة عن عدم ثقته بقدرة الحكومة اللبنانية على إنجاز هذه المهمة، متعهدًا بمواصلة العمليات العسكرية ضد الحزب.

هذا الموقف يضع لبنان أمام معادلة شديدة التعقيد. فإسرائيل لا تتعامل مع الانسحاب باعتباره استحقاقًا منفصلًا عن ملف السلاح، بل تربطه بتحقيق شروط أمنية تحددها هي، فيما يتمسك لبنان باستعادة أرضه وسيادته ووقف الاعتداءات.
وفي حال عودة نتنياهو، قد تتواصل المفاوضات، لكن فرص تحقيق اختراق سريع ستبقى محدودة ما لم يحصل تغيير في الحسابات الإسرائيلية أو تتدخل واشنطن بضغط فعلي يدفع نحو تنفيذ التفاهمات. كما أن استمرار هذا النهج قد يوسّع هامش العمليات العسكرية الإسرائيلية، ويزيد الضغوط على الدولة اللبنانية والجيش، ويُبقي الجنوب عرضة لتصعيد جديد كلما اعتبرت إسرائيل أن الترتيبات القائمة لا تضمن أمنها.
لكن استمرار نتنياهو لا يعني أن الحرب الشاملة أصبحت حتمية. فقد يفضّل إدارة المواجهة ضمن سقف محسوب، إذا رأى أن الضغط المستمر يحقق أهدافه من دون كلفة حرب مفتوحة. والمشكلة بالنسبة إلى لبنان أن هذا النوع من إدارة الصراع قد يطيل أمد عدم الاستقرار، حتى في غياب حرب واسعة.
أما وصول غادي آيزنكوت، رئيس الأركان الإسرائيلي السابق، إلى رئاسة الحكومة، فقد يفتح الباب أمام تعديل في طريقة إدارة الملف اللبناني، ولا سيما في ما يتعلق بالتنسيق مع الولايات المتحدة وفرنسا، وبكيفية توظيف المسار الدبلوماسي في تثبيت المكاسب الأمنية الإسرائيلية.
غير أن الرهان على أن آيزنكوت سيعتمد سياسة مختلفة جذريًا تجاه لبنان يحتاج إلى كثير من الحذر. فمواقفه المعلنة تشير إلى تمسكه بإبقاء منطقة أمنية في جنوب لبنان، وإلى اعتباره أن الجيش الإسرائيلي يحتاج إلى حرية عمل عسكري ضد “حزب الله”، حتى خارج نطاق الجنوب عند الضرورة. وقد انتقد نتنياهو سابقًا لأنه، في رأيه، لم يضمن حرية العمل الإسرائيلية الكافية في مواجهة الحزب.
وهذا يعني أن وصول آيزنكوت لن يشكّل، في حد ذاته، ضمانة للانسحاب أو لوقف الضربات. فقد يكون أكثر استعدادًا لتنسيق المواقف مع واشنطن وباريس، أو لمحاولة بناء ترتيبات أمنية أكثر قابلية للاستمرار، لكنه قد يتمسك في المقابل بشروط أمنية صارمة، ويعتبر أن أي اتفاق لا يحدّ من قدرات “حزب الله” لا يحقق الغاية الإسرائيلية.
الفارق المحتمل، إذاً، قد يكون في إدارة العلاقة مع الإدارة الأميركية، وفي الوسائل المستخدمة للوصول إلى الأهداف، وليس بالضرورة في الأهداف نفسها. وقد تتيح مقاربة أكثر تنسيقًا فرصة إضافية للتفاوض، لكن تحويل هذه الفرصة إلى انسحاب فعلي ووقف للاعتداءات يتطلب تفاهمات واضحة وضمانات قابلة للتنفيذ، لا مجرد تغيير في القيادة.
المفارقة أن لبنان قد يجد نفسه أمام رئيس حكومة إسرائيلي جديد، فيما تبقى الشروط القديمة قائمة. وقد يتغيّر أسلوب التفاوض، فيما تستمر العمليات العسكرية. وقد تُفتح نافذة دبلوماسية، لكنها تبقى محدودة إذا لم تترافق مع خطوات عملية نحو الانسحاب ووقف الاعتداءات.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان نتنياهو سيبقى أو آيزنكوت سيصل، بل ما إذا كانت المرحلة التالية ستسمح بانتقال لبنان من إدارة الأزمة إلى حلّها، ومن انتظار القرارات الخارجية إلى تثبيت حقوقه ومصالحه الوطنية.
فلبنان لا يحتاج إلى أن يراهن على تبدّل الأشخاص في إسرائيل بقدر ما يحتاج إلى استراتيجية دولة واضحة، وإلى دعم دولي يترجم الأقوال إلى التزامات، وإلى تسوية لا تجعل أمن اللبنانيين واستقرارهم ثمنًا دائمًا لحسابات الآخرين.
قد يتغيّر رئيس الحكومة في إسرائيل، لكن الاختبار بالنسبة إلى لبنان واحد. فهل تقترب البلاد من استعادة سيادتها، أم يستمر الجنوب ساحةً مفتوحة للضغط العسكري والتفاوض بلا أفق؟