هل بدأ سيناريو غزة في جنوب لبنان؟

في غياب الوساطات الدولية بعدما فشلت فرنسا في إحداث أي ثغرة في جدار الأزمة الحالية في لبنان، والآيلة إلى المزيد من التفاقم والتأزم، تواصل إسرائيل القيام بما خطّطت له منذ اليوم الأول لاتفاق وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني من العام 2024، فيما كان “حزب الله” يعيد ترميم قدراته القتالية في ظلّ “مسرحية حصر السلاح” في جنوب الليطاني. وما يزيد الوضع استنزافًا إقدام إسرائيل على استهداف جسري القاسمية والدلافة من ضمن خطّة ممنهجة لتقطيع أوصال الوطن وضرب بناه التحتية، من أجل تحقيق هدفين في آن معًا. الأول هو قطع طرق الامداد لعناصر “المقاومة الإسلامية”، الذين لا يزالون يتصدّون للهجمات العنيفة للجيش الإسرائيلي في محاور المواجهة في قرى الحافة الأمامية، سواء في القطاع الغربي، أو في القطاع الأوسط، أو في القطاع الشرقي. وفي اعتقاد تل أبيب أنها إذا نجحت في قطع طرق الأمداد على مقاتلي الحدود تستطيع لاحقًا أن تحاصرهم، وأن تنزل فيهم خسائر فادحة. وقد يكون هدفها الأول من هذه العملية أسر أكبر عدد من مقاتلي “حزب الله”.
أمّا هدف إسرائيل الثاني من تقطيع أوصال الوطن، فهو الضغط على أركان الدولة لكي يقوموا بممارسة أقصى أنواع الضغط على “حزب الله” للقبول بتسليم سلاحه من دون أي قيد أو شرط، وذلك بإشراف دولي هذه المرّة، وليس تحت اشراف قيادة الجيش. 
إلاّ أن ردّ “حزب الله” على ما تسعى إليه إسرائيل، وما يمكن أن تقوم به الدولة من إجراءات تمهيدية للمباشرة بمفاوضات مباشرة ومفتوحة مع إسرائيل، هو أنه لو لم يقم مقاتلو “المقاومة الإسلامية” بالتصدي للجيش الإسرائيلي على أكثر من محور لكان هذا الجيش قد وصل إلى بيروت في بضعة أيام كما فعل في حرب عام 1982.
إلاّ أن هذا الكلام، الذي يصفه البعض بـ “السوريالي”، لا يعني أن إسرائيل ستوقف حربها هذه المرّة عند حدود معينة كما فعلت في حرب الـ 66 يومًا، حتى وإن توقفت الحرب الأميركية – الإيرانية، على حدّ قول البعض. وهذا ما يبدو واضحًا من خلال التطوّر الأخطر المتمثّل في اندفاع الجيش الاسرائيلي نحو توسيع التمدّد البري لفرقه العسكرية القتالية في الجنوب. وهذا ما يثير الخوف من تكرار “سيناريو” التجربة الغزاوية في جنوب لبنان، خصوصًا أن مسار الأحداث والتطورات الأمنية  تشي بأن تكرار هذه التجربة بصيغة لبنانية لم يعد مجرّد تقديرات، بل تؤكدها إسرائيل المباشرة بتوسيع عملية تدمير الجسور على مجرى نهر الليطاني لاستكمال عزل أقضية الجنوب وتقطيعها، كما ترافق ذلك مع الشروع في عملية تدمير ممنهج لـ”الخط الأول” الحدودي الذي يشمل بلدات وقرى الحافّة الأمامية تكرارًا لـ “تجربة غزة” بهدف تحويل المنطقة أرضاً محروقة خالية من السكان، وتسهيل مطاردة الجيش الإسرائيلي لعناصر “حزب الله” وتفريغ المنطقة إلى أمد طويل تحت وطأة واقع احتلالي.
وفي ضوء كل ما يجري، تقول أوساط ديبلوماسية إن ما تقوم به إسرائيل لا يبدو مجرد عمليات عسكرية موضعية أو ردود فعل على ما يقوم به “حزب الله”، بل هو جزء من خطة طويلة الأمد تهدف إلى تغيير الواقع الجغرافي والديموغرافي والأمني في جنوب لبنان، وفرض معادلة جديدة على الدولة اللبنانية وعلى اللبنانيين جميعًا، وليس على “حزب الله” وحده.
لكن، وعلى رغم خطورة ما تخطط له إسرائيل، يبقى الخطر الأكبر أن يدخل اللبنانيون مرة جديدة في دهاليز انقساماتهم الداخلية، وأن يتحول الخلاف السياسي حول السلاح والحرب والدولة إلى صراع عمودي وأفقي بين اللبنانيين أنفسهم، وعندها تكون إسرائيل قد حققت ما تريده من دون أن تضطر إلى تحقيقه بالقوة العسكرية وحدها.
فالتجارب السابقة علّمت اللبنانيين أن إسرائيل لم تنتصر يومًا على لبنان بالحروب فقط، بل كانت تراهن دائمًا على انقسام اللبنانيين وعلى صراعاتهم الداخلية وعلى خوفهم من بعضهم البعض أكثر من خوفهم من العدو.
من هنا، قد يكون المطلوب اليوم، قبل أي نقاش في مقولة الاستراتيجية الدفاعية أو في ملف حصرية السلاح أو في المفاوضات المباشرة مع إسرائيل أو في القرارات الدولية، أن يتفق اللبنانيون أولًا على أمر واحد، وهو حماية بلدهم من الانهيار الداخلي، لأن أي خلاف داخلي كبير في هذه المرحلة سيجعل كل ما تفعله إسرائيل أسهل بكثير.
قد تستطيع إسرائيل أن تدمّر جسرًا، وأن تقطع طريقًا، وأن تهجّر قرية، وأن تحتل أرضًا، لكن أخطر ما يمكن أن يحصل هو أن تنجح في قطع ما تبقّى من جسور بين اللبنانيين أنفسهم. فالجسور لا تُدمَّر فقط بالقنابل، بل تُدمَّر أيضًا بالكراهية والخوف والانقسام. وهذا ما حذّر منه الرئيس نبيه بري بعد لقائه رئيس الجمهورية.