وقد يكون ما جرى في اسلام اباد أكبر دليل حسّي عن أن المصالح يمكن أن تحّل مكان المبادئ والشعارات والعناوين البرّاقة، حتى ولو لم يتم التوصّل إلى أي اتفاق في الجولة الأولى من هذه المفاوضات، وهو أمر طبيعي ولم يكن مستغربًا.
ويقول قائل إن إسرائيل الذاهبة إلى واشنطن للتفاوض تعرف ماذا تريد من لبنان، وهي لم تخفِ ما تطالب به في العلن وفي كل مناسبة، وهو “انتزاع” سلاح “حزب الله”، وضمان سلامة أمنها الشمالي، وعدم السماح بأن يتحوّل الجنوب اللبناني إلى مصدر قلق لسكان المستوطنات الشمالية.
أمّا لبنان، الذي طالب، وللمرة الثانية بعد اتفاق الترسيم البحري، بالتفاوض مع إسرائيل، يبدو أنه لا يعرف ماذا يريد بالتحديد، وذلك لأنه ذاهب إلى العاصمة الأميركية بغير خلفية داخلية واضحة، وذلك نظرًا إلى الانقسام العمودي والأفقي بين اللبنانيين، الذين يؤيد قسم كبير منهم المنطق التفاوضي فيما يعارض قسم آخر ما يسميّه بـ “تفاوض الذّل”.
في المفاوضات، لا يكفي أن يجلس المرء إلى طاولة يجهل ما فيها من مفاجآت، انما يجب أن يعرف ماذا يريد بالتحديد. وهنا يكمن الفرق الجوهري بين لبنان وإسرائيل، من دون أن يعني ذلك إعطاء كامل الحقّ لمن يحتّل الأرض، ويقتل كيفما شاء وأينما شاء، ويدّمر المنازل والمستشفيات ودور العبادة، ويشرّد آلاف المواطنين من بيوتهم التي أمست خرابًا.
إسرائيل تدخل أي مفاوضات بأهداف واضحة ومعلنة، وهي قادرة، على ما يبدو، على أن تفرض شروطها لضمان أمنها الشمالي كشرط أولي. فشروطها محددة، وسقفها التفاوضي معروف، حتى لو اضطّرت للتفاوض تحت النار أو فرضت قوة النار كجزء من الضغط التفاوضي. أما لبنان، فيدخل إلى التفاوض وهو منقسم على نفسه، ومتردد في خياراته، وموزّع بين من يريد التسوية بأي ثمن، ومن يرفضها تحت أي عنوان.
المشكلة الأساسية ليست في التفاوض بحد ذاته، ولا في رفضه من قِبل البعض والقبول به من قِبل البعض الآخر، إذ أن لبّ هذه المشكلة هو في غياب رؤية لبنانية موحّدة تحدد ما هو المطلوب فعلاً من هذه المفاوضات: هل الهدف هو وقف الحرب والاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة، أم تثبيت ترسيم الحدود البرّية بعد انهاء احتلالها، أم نزع فتيل التصعيد، أم إعادة بناء معادلة الردع؟
ومن دون إجابات واضحة، سيتحوّل التفاوض إلى مجرد إدارة للأزمة، لا إلى حلّ لها. والتجارب السابقة في هذا المجال لا تُطمئن كثيرًا. فلبنان غالبًا ما يدخل المفاوضات من موقع الضعف والانقسام، ويخرج منها بتسويات مؤقتة، فيما تدخل إسرائيل من موقع القوة، وتخرج بما يكرّس لها هذه القوة. هو واقع مؤلم، ولكنه حقيقة لا يمكن تجاهلها. وهذا ما كان يُفترض أن يُحسب له حساب قبل الانجرار إلى حرب معروفة نتائجها، وما سيسفر عنها من خسائر بشرية ومادية ومعنوية.
ولهذا، قد لا يكون السؤال ماذا تريد إسرائيل من مفاوضات واشنطن، فإسرائيل تعرف جيدًا ماذا تريد. أمّا السؤال الحقيقي فهو: هل يعرف لبنان ماذا يريد، وهو البلد الذي لم يُحسم فيه حتى اليوم من يملك قرار الحرب، قد يكون من الصعب أن يُحسم فيه ماذا يريد من السلم.
فلبنان الذاهب إلى واشنطن للتفاوض المباشر مع إسرائيل يذهب من دون أن يضمن موافقة “الثنائي الشيعي” على ما يمكن التوصّل إليه من اتفاقات قد لا تدرج على جدول أعمال أي جلسة لمجلس النواب كما حصل في أكثر من سابقة. فما دام مفتاح المجلس النيابي في حوزة “الثنائي” فإن أي تفاوض لن يرى النور من دون الموافقة الشيعية. ولأن الشيء بالشيء يذكر فإن من سيمثّل لبنان في اجتماعات واشنطن غدًا الثلثاء، وهي سفيرتنا إلى الولايات المتحدة الأميركية ندى حماده معوض، تحمل الجنسية الأميركية، فيما من يمثّل الراعي الأميركي لهذه المفاوضات، وهو السفير ميشال عيسى، أميركي من أصل لبناني.
المصدر:
خاص لبنان24










اترك ردك