أبعد من الحرب النفسية.. ماذا تريد إسرائيل من تفريغ الضاحية؟

صحيح أنّ البعد النفسي لطالما حضر في أوامر الإخلاء الإسرائيلية، بحيث يكون المكسب الأساسي منها إحداث حالة من الذعر والفوضى، وربما الرعب، بين الناس، لكنّ الصحيح أيضًا أنّ أوامر الإخلاء التي أصدرها الجيش الإسرائيلي يوم الخميس، وشملت أحياء كاملة في الضاحية الجنوبية لبيروت، لا تشبه غيرها. فقد أفرزت مشهدًا “كارثيًا” تحوّلت معه الشوارع إلى مسارح للنزوح الجماعي تحت وطأة التهديد بدمار شامل.

لا شكّ في أنّ إسرائيل كانت تدرك ذلك تمامًا، ولعلّ “إذلال” الناس الذين يشكّلون ما يُسمّى بـ”البيئة الحاضنة للمقاومة” هو واحد من أهدافها المعلنة أو الضمنية. لكنّ الأمر، برأي كثيرين، يتجاوز هذا البعد. فالإنذارات المباغتة التي أصدرتها بدت أشبه بقرارٍ بتهجير مدينة كاملة في لحظات، وهو ما يعكس رغبة إسرائيلية واضحة في تجاوز قواعد الاشتباك التقليدية نحو نمط مختلف من إدارة الحرب، يكون المدنيون جزءًا أساسيًا منه.

يعني ذلك أنّ المسألة لم تعد تتعلّق فقط بضغط نفسي على البيئة الحاضنة، ولا بمحاولة لترهيب الناس فحسب، بل إنّ ثمّة مخططًا يتجاوز فكرة “ورقة الضغط” للوصول إلى ما جاهر به البعض في تل أبيب باعتباره “نسخة لبنانية” من نموذج “خان يونس” في غزة، حيث يجري تفريغ الجغرافيا من سكانها تمهيدًا لتوسيع هامش التدمير. وهنا تبرز الإشكالية الكبرى التي تطرح نفسها اليوم: هل تسعى إسرائيل فعلًا إلى إعادة تشكيل جغرافيا الضاحية بالنار؟

من التهديد إلى التحكّم بالجغرافيا

لا شكّ في أنّ البعد النفسي حضر بقوة في أوامر الإخلاء، فإسرائيل تعرف تمامًا ماذا يعني بثّ الذعر في منطقة تُعدّ من أكثر المناطق كثافة سكانية وحساسية سياسية واجتماعية في لبنان. إلا أنّ اختزال ما جرى في خانة “الحرب النفسية” وحدها يبقى قاصرًا عن تفسير حجم الإجراء وخطورته. فالحرب النفسية تهدف عادةً إلى كسر المعنويات وإرباك البيئة الحاضنة، في حين أنّ ما جرى يوحي بمحاولة لفرض نمط جديد يتجاوز القصف إلى التحكّم بحركة السكان نفسها.

 
ومن هنا، يمكن فهم أحد الأهداف الأساسية لخطة الإخلاء في إطار السعي إلى “تعرية” المنطقة عسكريًا، وتحويل المربعات السكنية المكتظة إلى ساحات مكشوفة بالكامل أمام الطيران والاستطلاع. بمعنى آخر، يريد العدو أن يقاتل في مساحة خالية من السكان قدر الإمكان، بما يسمح له بتوسيع هامش التدمير واستهداف البنية التحتية اللوجستية التي يعتقد أنّها مخبّأة تحت هذا الإسمنت المترابط، من دون أن يضطر إلى التعامل مع أي وجود بشري كثيف قد يقيّد اندفاع آلته التدميرية.
 

وفي السياق نفسه، تتجاوز هذه الاستراتيجية فكرة “إصابة الهدف” إلى محاولة “إنهاء المكان” نفسه. فتدمير أحياء بكاملها يعني عمليًا كسر الرابط الذي يجمع بين المقاومة وبيئتها الجغرافية، بحيث تصبح العودة إلى هذه المناطق معضلة تقنية ومادية هائلة. وبالتالي، فإنّ إسرائيل تحاول، عبر هذا التدمير العمراني الواسع، أن تجعل من إعادة بناء الضاحية مسارًا بالغ الصعوبة في المدى المنظور، بما قد ينعكس على قدرة “حزب الله” على استعادة مركزه القيادي واللوجستي في قلب العاصمة لسنوات طويلة.

بين المنطقة العازلة والانفجار الاجتماعي

ثمّة بعد عسكري آخر لا يقلّ شأنًا عمّا سبق، وهو محاولة فرض ما يشبه “منطقة عازلة” داخل الضاحية نفسها، ولكن بالنار والدمار لا بالجدران والأسلاك. فمن خلال تحويل الأحياء إلى أنقاض، تضمن إسرائيل أنّ أي تحرّك مستقبلي في هذه المناطق سيكون تحت مجهرها الدائم، وأنّ إعادة بناء ما تمّ تدميره لن تكون بالسهولة والسرعة اللتين ميّزتا مرحلة ما بعد حرب تموز 2006. والنتيجة المتوخّاة هنا لا تقتصر على إخراج الضاحية من معادلة “الوزن الجغرافي”، بل تتعدّاها إلى تحويلها إلى عبء عمراني وإنساني يصعب التعامل معه.
 

لكن، بعيدًا عن الحسابات العسكرية الصرفة، يمكن الحديث عن أبعاد أخطر خلف الخطوات الإسرائيلية غير المسبوقة، منها محاولة إنتاج وقائع ديموغرافية وجغرافية جديدة، ولو بصورة مؤقتة. فالتهجير الواسع، حتى لو جرى لساعات أو أيام، يترك أثرًا تراكميًا على البنية الاجتماعية والاقتصادية والنفسية للمدينة. ومع تكرار هذا النمط، يتحوّل النزوح من حدث استثنائي إلى أداة استنزاف مستمرة. وهذا ما يراكم الضغط على شبكات الإيواء والخدمات والمجتمعات المضيفة والاقتصاد المحلي، ويضع لبنان أمام أزمة داخلية متدحرجة لا تقف عند حدود القصف نفسه.

أما البعد الأبعد، فيتصل على الأرجح بما بعد الحرب نفسها. فإسرائيل لا تقاتل فقط لتحسين شروطها الميدانية الآنية، بل أيضًا لتكوين أوراق تفاوضية وسياسية لما قد يلي هذه الجولة. وعندما تفرض بالنار سابقة من نوع إخلاء الضاحية، فهي تحاول تكريس منطق يقول إنّ مناطق كاملة في لبنان يمكن أن توضع تحت الابتزاز العسكري الجماعي متى قرّرت ذلك. كذلك، تسعى إسرائيل إلى ضرب الذاكرة الجماعية للناس وربط مناطقهم بالرعب والدمار. فإخلاء أحياء واسعة مثل حارة حريك أو الغبيري أو برج البراجنة بالكامل، يهدف إلى كسر روح الصمود لدى الناس، عبر إشعارهم بأنّ ممتلكاتهم وتعب أعمارهم باتت في مهبّ الريح.

 
في الخلاصة، لا يبدو أمر إخلاء الضاحية الجنوبية حدثًا عسكريًا عابرًا يمكن وضعه في خانة التهويل فقط، ولا حتى في خانة الضغط التقليدي على “حزب الله” أو الدولة عبر ورقة الناس. ما جرى يوحي بمحاولة إسرائيلية لتكريس نمط جديد من الحرب، لا يكتفي باستهداف البنية العسكرية، بل يطال الجغرافيا المدنية نفسها، بما تحمله من كثافة سكانية ورمزية سياسية ووظيفة لوجستية. بهذا المعنى، تبدو أوامر الإخلاء جزءًا من معركة أوسع لإعادة تشكيل المكان وإرباك الداخل وفرض وقائع تتجاوز يوميات القصف، وهو ما يجعل خطورتها أكبر بكثير من الإنذار نفسه.