المنع لم يكن تفصيلًا إداريًا عابرًا. فبحسب البطريركية اللاتينية، جرى منع القيادات الكنسية من الوصول إلى الكنيسة في يوم رمزي شديد الأهمية، هو أحد الشعانين، والذي يفتتح أسبوع الآلام في الوجدان المسيحي. واعتبرت البطريركية أن القرار “غير متناسب” مع طبيعة المناسبة، خصوصًا أن القداس كان سيُقام بحضور محدود جدًا لا يتجاوز عشرات المشاركين. في المقابل، قالت الشرطة الإسرائيلية إن الإجراء جاء ضمن القيود الأمنية المفروضة بسبب الحرب، وصعوبة تأمين البلدة القديمة في ظل أزقتها الضيقة وغياب البنية المناسبة للتعامل مع طارئ واسع النطاق.
كنيسة القيامة بين الأمن وحرية العبادة
ما بين المنع ثم السماح، بدا واضحًا أن كنيسة القيامة عادت إلى قلب التوتر المزمن بين منطق الأمن ومنطق العبادة. فالمكان ليس كنيسة عادية، بل أحد أقدس المواقع لدى المسيحيين في العالم، إذ يقوم على الموقع الذي شهد صلب المسيح ودفنه وقيامته. لذلك، فإن أي قيود تطال الوصول إليه في هذا التوقيت لا تُقرأ كإجراء تنظيمي فقط، بل كمساس مباشر بحرية العبادة وبالرمزية الدينية للمكان.
وبعد التراجع عن المنع، توصلت البطريركية اللاتينية والسلطات الاسرائيلية إلى ترتيبات تسمح بإقامة الصلوات والاحتفالات الدينية في الكنيسة، لكن ضمن سقف أمني أكثر تشددًا من المعتاد. وأوضحت البطريركية في بيان مشترك مع حراسة الأراضي المقدسة أن مسألة احتفالات أسبوع الآلام والفصح “جرى حلها” بالتنسيق مع السلطات، مع بقاء القيود على التجمعات العامة سارية بسبب الحرب. كما شدد البيان على أن الطقوس ستُنقل مباشرة إلى المؤمنين في الأرض المقدسة والعالم.
جورج بلندن في صور – BBC News عربي” style=”width: 100%; height: 100%;” />
هل ما حدث سابقة؟
ليست كنيسة القيامة غريبة عن الإغلاقات والقيود. فقد أُغلقت في عام 2020 بسبب جائحة كورونا، وأُغلقت أيضًا في عام 2018 خلال أزمة الضرائب بين الكنائس والسلطات الإسرائيلية. غير أن هذين المثالين يختلفان عن المشهد الأخير، لأن الإغلاقين السابقين لم يكونا مرتبطين بمنع قيادات كنسية من دخول الكنيسة في يوم ديني محوري ثم التراجع عن القرار تحت ضغط كبير.
أما الجديد هذه المرة، فهو أن المنع طال أعلى مرجعية كاثوليكية في القدس نفسها، وفي يوم أحد الشعانين تحديدًا، قبل أن يُرفع القرار سريعًا وتُستأنف الصلوات. ولهذا تحدثت البطريركية عن أن ما جرى يمثل سابقة “منذ قرون”، فيما أجمعت تقارير دولية عدة على أن الحادثة كشفت هشاشة التوازن القائم بين الاعتبارات الأمنية وحق المؤمنين في الوصول إلى أقدس مواقعهم.
أخبار دينية – الرسالة نت” style=”width: 100%; height: 100%;” />
الرسائل السياسية خلف ما جرى
الأزمة هنا تتجاوز البعد الرمزي إلى رسالة سياسية واضحة. أول هذه الرسائل أن إسرائيل أرادت، في لحظة حرب، أن تُظهر أن القرار الأمني قادر على فرض نفسه حتى على موقع ديني شديد الحساسية مثل كنيسة القيامة. لكن التراجع السريع كشف في المقابل أن الكلفة السياسية والدبلوماسية لمثل هذا القرار أعلى من قدرة إسرائيل على تحمّلها، خصوصًا حين يتعلق الأمر بقيادات كنسية عليا وبطقوس أسبوع الآلام.
الرسالة الثانية أن ملف القدس لا يزال قابلًا للاشتعال فورًا عندما يُمسّ “الوضع القائم” في الأماكن المقدسة. فالمسألة لا تتعلق فقط بدخول بطريرك أو خروج قرار أمني، بل بالمعادلة الأوسع التي تضبط علاقة الدولة بالطوائف الدينية في المدينة. وأي خلل في هذه المعادلة، ولو لساعات، يفتح الباب أمام ردود فعل محلية ودولية سريعة، ويحوّل حادثة دينية إلى ملف سياسي بامتياز.
أما الرسالة الثالثة، فهي أن الحرب في المنطقة باتت تُستخدم لتوسيع هامش القيود، لكن ليس من دون حدود. فإبقاء القيود على التجمعات العامة مع السماح بالطقوس الأساسية يوحي بمحاولة الجمع بين الأمن وعدم تفجير أزمة دينية أوسع. وهذا بحد ذاته اعتراف ضمني بأن العبادة في القدس ليست ملفًا داخليًا فقط، بل تمثل شأنًا دوليًا يراقبه الفاعلون السياسيون والدينيون عن كثب.

في المحصلة، لن يُلغى أسبوع الآلام في القدس، لكنه سيمرّ هذا العام تحت قيود أمنية مشددة. ويبقى السؤال، كيف يمكن للقدس أن تحافظ على أمنها في زمن الحرب من دون أن يتحول الأمن نفسه إلى قيد على العبادة في أكثر لحظاتها قداسة؟











اترك ردك