مصدر أمني قال لـ”لبنان24″ إن المشكلة الأساسية ليست في وجود ألغام قديمة فحسب، بل في تحوّل ضفاف النهر إلى “ممر ضغط” يتبدّل باستمرار، مشيرا إلى أن أي تشدد على المعابر أو أي تبدّل ميداني على الجانب السوري يدفع شبكات التهريب إلى نقل حركة الأشخاص نحو نقاط أصعب وأكثر وعورة، وغالباً أقرب إلى مجرى النهر حيث ترتفع احتمالات وجود مخلفات حرب وعبوات وألغام، تركها نظام الأسد. ووفق المصدر نفسه، فإن أخطر ما في هذا النوع من التهديدات أنه لا يملك عنواناً ثابتاً، لأن المطر والفيضان قادران على كشف أجسام كانت مطمورة أو نقلها من الضفة إلى الضفة.
هنا تحديداً يظهر عامل الشتاء كطرف ثالث في المعادلة. النهر الكبير ليس خطاً ساكناً على الخريطة، بل مجرى تتغيّر ضفافه في موسم الأمطار. عندما يرتفع المنسوب وتتدحرج الأتربة والحجارة، يمكن أن تتغير “المسارات الآمنة” التي يعتمدها الناس أو المهرّبون. هذه ليست فرضية نظرية، إذ سبق أن أُعلن رسمياً عن إصابة ضابط خلال دورية بعد انفجار لغم قيل إنه جرفته مياه النهر من الأراضي السورية إلى اللبنانية.
الربط بين الألغام والعبور غير الشرعي يصبح أوضح عند النظر إلى طبيعة الحركة في تلك المنطقة. خلال الأسابيع الماضية برزت تقارير عن نشاط تهريب البشر عبر النهر وما يرافقه من مخاطر عالية، من الغرق إلى الابتزاز المالي. وفي حادثة الغرق المسجلة أواخر كانون الأول 2025، أعادت الوقائع تسليط الضوء على أن النهر بات أحد أكثر نقاط العبور هشاشة، وأن أي محاولة عبور في الشتاء قد تنتهي بكارثة حتى من دون وجود ألغام، فكيف إذا اجتمعا معاً في المكان ذاته.
لكن لماذا يتضاعف الخطر الآن تحديداً؟ يجيب المصدر الأمني عبر “لبنان24” بالقول ان “الضغط” على الضفة يتصاعد حين تُقفل مسالك وتُفتح أخرى. عندها يتحول خيار العبور غير الشرعي من مسألة مخالفة قانونية إلى لعبة احتمالات مميتة، لأن الشخص لا يختار فقط بين طريقين، بل بين طبقات من المخاطر، تيار مياه سريع، أرض رخوة، نقاط مجهولة، واحتمال وجود جسم متفجر لا تراه العين. ويشير المصدر إلى أن شبكات التهريب تتعامل مع المكان كمسار عمل، بينما المدني الذي يمر صدفة أو الباحث عن عبور سريع يدفع الثمن الأكبر.
المصدر يلفت أيضاً إلى نقطة غالباً ما تُهمَل ولا يسلط الضوء عليها، وهي أن خطر الألغام لا يصيب العابرين وحدهم. المزارعون والرعاة وأهالي القرى المحاذية قد يقتربون من نقاط ملوثة في يومياتهم، كما أن عمليات التدخل السريع تصبح أكثر تعقيداً حين تتداخل المخاطر، إنقاذ غرقى أو مطاردة مهرّبين أو تمشيط منطقة، كلها تتطلب هامش أمان غير متوافر إذا كانت الضفاف غير ممسوحة أو غير معلّمة.
من هنا، تبدو “المعالجة” الأمنية وحدها ناقصة إذا بقيت على شكل دوريات متقطعة وردود فعل بعد وقوع الإصابات. المقاربة الأكثر واقعية، وفق تقدير المصدر الأمني، تبدأ بمسحٍ ميداني مركّز للنقاط الأكثر استخداماً على ضفاف النهر، ثم تثبيت إشارات تحذير واضحة وحواجز في المواقع الخطرة، بالتوازي مع تشديد الرقابة على شبكات التهريب لا على الأفراد وحدهم. وهو يؤكد أن أي خطة من دون إدارة مخاطر موسمية ستبقى متأخرة دائماً خطوة عن النهر نفسه.
الخلاصة أن ما يجري على ضفاف النهر الكبير هو اختبار لحدود تُترك طويلاً لاقتصاد التهريب ولتقلبات الطبيعة. ومع كل موسم مطر، تصبح الأرض قابلة لإعادة ترتيب المخاطر، ويصبح العبور غير الشرعي قراراً قد يكلّف أصحابه أكثر بكثير من عبور “غير قانوني”.












اترك ردك