الانتخابات النيابية في مهبّ التفسيرات: صراع قانوني ـ سياسي يسبق معركة الصناديق

أعاد الرأي الصادر عن هيئة الاستشارات والتشريع في وزارة العدل خلط الأوراق السياسية والقانونية في لبنان، بعدما قدّم تفسيراً يجيز اقتراع المغتربين للنواب الـ128 في دوائرهم الأصلية بدلاً من حصر تمثيلهم بستة مقاعد ضمن الدائرة 16. ورغم أن هذا الرأي غير ملزم تشريعياً، إلا أن صدوره في هذا التوقيت بالذات وضع الاستحقاق النيابي أمام اختبار حقيقي يتداخل فيه القانوني بالسياسي، ويكشف حساسية المرحلة التي تسبق الانتخابات.
في القراءة الدستورية، لا يرقى رأي الهيئة إلى مستوى تعديل القانون، بل يندرج ضمن تفسير النصوص النافذة لتحديد آلية التطبيق الممكنة. وهذا يعني أن إجراء الانتخابات وفق هذه القراءة يبقى ممكناً ما لم يتدخل المجلس النيابي لتعديل القانون صراحة. غير أن هذا التوصيف القانوني لم يمنع تحوّل الرأي إلى مادة سجال سياسي واسع، لأن انعكاساته لا تقتصر على الإجراءات بل تطال التوازنات النيابية المتوقعة.
في هذا الإطار، شدّد رئيس مجلس النواب نبيه بري على أن أي تعديل في قواعد العملية الانتخابية يجب أن يصدر حصراً عن السلطة التشريعية، معتبراً أن التفسيرات الاستشارية لا يمكن أن تحل محل التشريع. موقفه عكس تمسّكاً واضحاً بدور المجلس كمرجعية وحيدة لتغيير القوانين، لكنه في الوقت نفسه حمل بعداً سياسياً مرتبطاً بالخشية من أن يؤدي توسيع تأثير أصوات المغتربين إلى تبدّل نتائج في دوائر حساسة.
الموقف نفسه عبّر عنه النائب علي حسن خليل الذي حذّر من اعتماد مقاربات إجرائية لمعالجة قضية اقتراع المغتربين، معتبراً أن أي تغيير في آلية التصويت ينبغي أن يتم عبر نص تشريعي واضح. هذا التحذير يعكس قلقاً لدى قوى سياسية من أن تتحول الاجتهادات القانونية إلى سابقة تُستخدم مستقبلاً لتجاوز المجلس في مسائل مفصلية.
جوهر الخلاف يتمحور حول وزن الصوت الاغترابي. فالتجربة السابقة أظهرت أن اقتراع اللبنانيين في الخارج قادر على التأثير في النتائج، خصوصاً في الدوائر التي تُحسم بفوارق ضئيلة. وإذا احتُسبت هذه الأصوات ضمن الدوائر الـ15، يتوزّع تأثيرها على عدد كبير من المقاعد، ما يرفع قدرتها على تعديل الخريطة النيابية. أما إذا حُصرت بستة نواب فقط، فيتحول حضورها إلى تمثيل رمزي محدود. من هنا يمكن فهم سبب تحوّل النقاش القانوني إلى مواجهة سياسية مبكرة حول شكل البرلمان المقبل.
المشهد الحالي يوحي بأن البلاد أمام ثلاثة احتمالات: إجراء الانتخابات في موعدها وفق التفسير الاستشاري إذا تعذّر التوافق على تعديل القانون؛ أو إقرار تعديل تشريعي سريع يحدد آلية اقتراع المغتربين بشكل نهائي؛ أو دخول الاستحقاق في دوامة تأجيل إذا تفاقمت الخلافات. إلا أن المؤشرات السياسية حتى الآن ترجّح الخيار الأول، أي السير بالانتخابات ضمن المهلة الدستورية مع استمرار السجال السياسي حتى يوم الاقتراع.
في المحصلة، لا يمكن فصل الجدل القانوني عن حسابات القوى. فالقانون الانتخابي في لبنان ليس مجرد نص تنظيمي، بل هو عنصر أساسي في توازن النظام السياسي. لذلك يبدو النقاش حول رأي هيئة الاستشارات في جوهره صراعاً مبكراً على نتائج الانتخابات نفسها، حيث تحاول كل جهة تفسير النص بما ينسجم مع مصالحها. وبين النص الدستوري وحسابات القوى، يبقى مصير الاستحقاق رهناً بقدرة الطبقة السياسية على الفصل بين القاعدة القانونية والرهان السياسي، وهو أمر لم يكن يوماً سهلاً في التجربة اللبنانية.