في كلّ مرة يرتفع فيها منسوب الحديث عن نافذة تفاوض، أو عن عرضٍ ما، أو عن اتصالات دولية قد تفتح ثغرة في جدار الحرب، يأتي الميدان ليبدّد هذا المناخ سريعًا، ويعيد الجميع إلى النقطة نفسها، باعتبار أنّ لا معنى فعليًا لأي مسار سياسي ما دام ميزان الضغط لا يزال يُرسم بالصواريخ والغارات والتوغلات. هكذا يبدو المشهد اللبناني اليوم، في لحظة تختلط فيها الإشارات الدبلوماسية بالوقائع العسكرية، لكن من دون أن ينجح أيّ منهما في الادعاء بأنّ المسارين يتحركان فعلًا بالتوازي.
في الظاهر، لا يمكن القول إنّ باب التفاوض أُقفل نهائيًا. فثمة عروض تُطرح، ومبادرات تُناقش، واتصالات لا تتوقف، ومناخ خارجي يوحي بأنّ هناك من لا يزال يبحث عن صيغة توقف الانحدار نحو حرب مفتوحة بالكامل. إلا أنّ المشكلة لم تعد في وجود الكلام السياسي من عدمه، بل في أنّ هذا الكلام فقد استقلاله عن الميدان، وبات ينتظر ما تنتجه الغارات والضغوط العسكرية قبل أن يكتسب أي معنى أو جدية.
هذا التباين يطرح سؤالًا جوهريًا حول جدوى المسارات المتوازية التي لطالما عوّل عليها الوسطاء الدوليون في بيروت، إذ يبدو أنَّ الميدان قد قرر ابتلاع أي كلام سياسي قبل أن يتبلور نضجًا في الدوائر الديبلوماسية. فهل لا يزال ممكنًا التعامل مع التفاوض بوصفه مسارًا قائمًا بذاته، أو أنّه بات مجرد ظلّ للميدان، يتقدّم حين يخف الضغط، ويتراجع كلما قررت إسرائيل رفع سقف النار، ما يجعل الكلام عن “المسارين المتوازيين” أقلّ إقناعًا من أي وقت مضى؟
الميدان يفرض التوقيت
ما تعكسه الوقائع الأخيرة هو أنّ إسرائيل لا تتصرف وكأنها تفاوض بالتزامن مع الحرب، بل وكأنها تستخدم الحرب نفسها لصوغ شروط أي تفاوض لاحق. فبينما كانت الأروقة السياسية تبحث صيغًا لوقف إطلاق النار، كانت إسرائيل تصعّد عملياتها جنوب الليطاني لعزل المنطقة وتحويلها إلى ساحة مواجهة منفصلة، بالتوازي مع رسائل نارية إلى قلب بيروت، بما يضع صانع القرار اللبناني تحت ضغط هائل.
بهذا المعنى، يبدو الضغط العسكري المتصاعد، من استهداف العمق اللبناني إلى عزل مناطق جنوب الليطاني، جزءًا من محاولة واضحة لإعادة ترتيب ميزان القوى قبل الانتقال إلى أي طاولة سياسية. وفي هذا السياق، يصعب الفصل بين تعثر المساعي السياسية وارتفاع سقف الضغط العسكري. فكلما تراجعت فرص التقدّم على الخط التفاوضي، بدا أنّ إسرائيل تذهب إلى مزيد من التصعيد، كأنّها تريد أن تقول إنّ ما لم يُنتزع سياسيًا يمكن فرضه بالنار، أو على الأقل تحسين شروطه عبر الميدان.
الأخطر أنّ هذا الإيقاع الميداني لا يضغط على “حزب الله” وحده، بل على لبنان كله. فكل توغل، وكل غارة، وكل خطوة تهدف إلى عزل مناطق أو اختبار تماسك الداخل اللبناني، تضع الدولة والمجتمع معًا تحت ضغط متصاعد، وتجعل أي مبادرة سياسية تبدو وكأنها تتحرك في فراغ، أو فوق أرض لا تزال تهتز تحت أقدام أصحابها. وفي مثل هذا المناخ، يصبح الكلام عن تفاوض أقرب إلى انتظار ما سينتجه الميدان، لا إلى محاولة فعلية للتقدّم عليه.
التفاوض لم يسقط… ولكن
لا يعني ما تقدّم أنّ فكرة التفاوض سقطت بالكامل. فالخارج لا يزال يدفع نحو إبقاء الباب مواربًا، والداخل اللبناني نفسه لا يملك ترف إعلان موت المسار السياسي نهائيًا. لكنّ المشكلة أنّ هذا التفاوض يتحرّك على أرض شديدة الهشاشة، تتنازعها الضغوط العسكرية من جهة، والانقسامات اللبنانية من جهة أخرى، وانعدام الثقة الدولية من جهة ثالثة، علمًا أنّ عقدته الأساسية تكمن في رفض الجانب الإسرائيلي تقديم أي التزام بوقف العمليات العسكرية، وإصراره على مقاربة أمنية أحادية الجانب.
بهذا المعنى، فإنّ التفاوض لا يبدو ملغى، بقدر ما يبدو مؤجلًا أو مشروطًا، بانتظار اتضاح ما إذا كانت الحرب ستفرض وقائع جديدة أولًا. إلا أنّ التعثر لا يبدو ناجمًا فقط عن التشدد الإسرائيلي أو عن منسوب النار، ولا حتى عن العجز الدولي، بل أيضًا عن هشاشة الوضع اللبناني نفسه، وعن حقيقة أنّ القرار السيادي لا يزال معلقًا بين مراكز قوى متعددة، في لحظة يُفترض فيها أن يكون موحدًا وواضحًا. فالمبادرات المطروحة، حتى الآن، تفتقر إلى آليات تنفيذية حقيقية قادرة على لجم التصعيد الميداني المتسارع.
في ضوء ذلك، قد يكون الأدق القول إنّ لبنان لا يعيش لحظة تفاوض حقيقية بقدر ما يعيش مرحلة ما قبل التفاوض الفعلي، أي المرحلة التي يُعاد فيها رسم الشروط بالنار، وتُختبر فيها قدرة الداخل اللبناني على الصمود، وتُدفع فيها الدولة إلى مواجهة أسئلة أكبر من قدرتها. فقبل أن يصبح ممكناً الحديث عن تسوية، يبدو أنّ هناك من يريد أولًا تثبيت وقائع ميدانية وأمنية وسياسية تجعل أي تسوية لاحقة محكومة بسقف جديد. وهذا ما يجعل أي تفاؤل سريع في غير محلّه. لأنّ التفاوض، في صورته الحالية، لا يبدو قادرًا على كبح التصعيد، بل يبدو هو نفسه رهينة له. وحتى إن بقيت القنوات مفتوحة، فإنّها ستبقى محدودة الفاعلية ما دام القرار الحقيقي لم ينتقل بعد من الميدان إلى الطاولة.
في المحصلة، يمكن القول إنّ التفاوض مسارًا موازيًا للميدان، بل صار تابعًا له، إن صحّ التعبير. فكلما ارتفع الكلام السياسي، جاءت الحرب لتذكّر الجميع بأنّ الكلمة ما زالت لمن يفرض الوقائع على الأرض. ومن هنا، لم يعد السؤال ما إذا كانت هناك تسوية في الأفق، بل ما إذا كان هناك مناخ يسمح أصلًا بولادتها قبل أن ينتهي الميدان من قول كلمته.
في الظاهر، لا يمكن القول إنّ باب التفاوض أُقفل نهائيًا. فثمة عروض تُطرح، ومبادرات تُناقش، واتصالات لا تتوقف، ومناخ خارجي يوحي بأنّ هناك من لا يزال يبحث عن صيغة توقف الانحدار نحو حرب مفتوحة بالكامل. إلا أنّ المشكلة لم تعد في وجود الكلام السياسي من عدمه، بل في أنّ هذا الكلام فقد استقلاله عن الميدان، وبات ينتظر ما تنتجه الغارات والضغوط العسكرية قبل أن يكتسب أي معنى أو جدية.
هذا التباين يطرح سؤالًا جوهريًا حول جدوى المسارات المتوازية التي لطالما عوّل عليها الوسطاء الدوليون في بيروت، إذ يبدو أنَّ الميدان قد قرر ابتلاع أي كلام سياسي قبل أن يتبلور نضجًا في الدوائر الديبلوماسية. فهل لا يزال ممكنًا التعامل مع التفاوض بوصفه مسارًا قائمًا بذاته، أو أنّه بات مجرد ظلّ للميدان، يتقدّم حين يخف الضغط، ويتراجع كلما قررت إسرائيل رفع سقف النار، ما يجعل الكلام عن “المسارين المتوازيين” أقلّ إقناعًا من أي وقت مضى؟
الميدان يفرض التوقيت
ما تعكسه الوقائع الأخيرة هو أنّ إسرائيل لا تتصرف وكأنها تفاوض بالتزامن مع الحرب، بل وكأنها تستخدم الحرب نفسها لصوغ شروط أي تفاوض لاحق. فبينما كانت الأروقة السياسية تبحث صيغًا لوقف إطلاق النار، كانت إسرائيل تصعّد عملياتها جنوب الليطاني لعزل المنطقة وتحويلها إلى ساحة مواجهة منفصلة، بالتوازي مع رسائل نارية إلى قلب بيروت، بما يضع صانع القرار اللبناني تحت ضغط هائل.
بهذا المعنى، يبدو الضغط العسكري المتصاعد، من استهداف العمق اللبناني إلى عزل مناطق جنوب الليطاني، جزءًا من محاولة واضحة لإعادة ترتيب ميزان القوى قبل الانتقال إلى أي طاولة سياسية. وفي هذا السياق، يصعب الفصل بين تعثر المساعي السياسية وارتفاع سقف الضغط العسكري. فكلما تراجعت فرص التقدّم على الخط التفاوضي، بدا أنّ إسرائيل تذهب إلى مزيد من التصعيد، كأنّها تريد أن تقول إنّ ما لم يُنتزع سياسيًا يمكن فرضه بالنار، أو على الأقل تحسين شروطه عبر الميدان.
الأخطر أنّ هذا الإيقاع الميداني لا يضغط على “حزب الله” وحده، بل على لبنان كله. فكل توغل، وكل غارة، وكل خطوة تهدف إلى عزل مناطق أو اختبار تماسك الداخل اللبناني، تضع الدولة والمجتمع معًا تحت ضغط متصاعد، وتجعل أي مبادرة سياسية تبدو وكأنها تتحرك في فراغ، أو فوق أرض لا تزال تهتز تحت أقدام أصحابها. وفي مثل هذا المناخ، يصبح الكلام عن تفاوض أقرب إلى انتظار ما سينتجه الميدان، لا إلى محاولة فعلية للتقدّم عليه.
التفاوض لم يسقط… ولكن
لا يعني ما تقدّم أنّ فكرة التفاوض سقطت بالكامل. فالخارج لا يزال يدفع نحو إبقاء الباب مواربًا، والداخل اللبناني نفسه لا يملك ترف إعلان موت المسار السياسي نهائيًا. لكنّ المشكلة أنّ هذا التفاوض يتحرّك على أرض شديدة الهشاشة، تتنازعها الضغوط العسكرية من جهة، والانقسامات اللبنانية من جهة أخرى، وانعدام الثقة الدولية من جهة ثالثة، علمًا أنّ عقدته الأساسية تكمن في رفض الجانب الإسرائيلي تقديم أي التزام بوقف العمليات العسكرية، وإصراره على مقاربة أمنية أحادية الجانب.
بهذا المعنى، فإنّ التفاوض لا يبدو ملغى، بقدر ما يبدو مؤجلًا أو مشروطًا، بانتظار اتضاح ما إذا كانت الحرب ستفرض وقائع جديدة أولًا. إلا أنّ التعثر لا يبدو ناجمًا فقط عن التشدد الإسرائيلي أو عن منسوب النار، ولا حتى عن العجز الدولي، بل أيضًا عن هشاشة الوضع اللبناني نفسه، وعن حقيقة أنّ القرار السيادي لا يزال معلقًا بين مراكز قوى متعددة، في لحظة يُفترض فيها أن يكون موحدًا وواضحًا. فالمبادرات المطروحة، حتى الآن، تفتقر إلى آليات تنفيذية حقيقية قادرة على لجم التصعيد الميداني المتسارع.
في ضوء ذلك، قد يكون الأدق القول إنّ لبنان لا يعيش لحظة تفاوض حقيقية بقدر ما يعيش مرحلة ما قبل التفاوض الفعلي، أي المرحلة التي يُعاد فيها رسم الشروط بالنار، وتُختبر فيها قدرة الداخل اللبناني على الصمود، وتُدفع فيها الدولة إلى مواجهة أسئلة أكبر من قدرتها. فقبل أن يصبح ممكناً الحديث عن تسوية، يبدو أنّ هناك من يريد أولًا تثبيت وقائع ميدانية وأمنية وسياسية تجعل أي تسوية لاحقة محكومة بسقف جديد. وهذا ما يجعل أي تفاؤل سريع في غير محلّه. لأنّ التفاوض، في صورته الحالية، لا يبدو قادرًا على كبح التصعيد، بل يبدو هو نفسه رهينة له. وحتى إن بقيت القنوات مفتوحة، فإنّها ستبقى محدودة الفاعلية ما دام القرار الحقيقي لم ينتقل بعد من الميدان إلى الطاولة.
في المحصلة، يمكن القول إنّ التفاوض مسارًا موازيًا للميدان، بل صار تابعًا له، إن صحّ التعبير. فكلما ارتفع الكلام السياسي، جاءت الحرب لتذكّر الجميع بأنّ الكلمة ما زالت لمن يفرض الوقائع على الأرض. ومن هنا، لم يعد السؤال ما إذا كانت هناك تسوية في الأفق، بل ما إذا كان هناك مناخ يسمح أصلًا بولادتها قبل أن ينتهي الميدان من قول كلمته.












اترك ردك