عام 2021، أعادت سوريا تقسيم البلوكات البحريّة المخصّصة للتنقيب في البحر للمرة الثالثة، وأعلنت عن تلزيم البلوك الرقم 1 السوري الجديد والمُحاذي للحدود اللبنانية الشماليّة إلى شركة “كابيتال ليمتد” الروسيّة. وكان لافتاً أن الخريطة الجديدة للبلوك الرقم 1 السوري تداخلت مع بلوكين لبنانيين، حيث تداخل هذا البلوك السوري، مع البلوك اللبناني الرقم 1 بمساحة 450 كلم² ومع البلوك اللبناني الرقم 2 بمساحة 300 كلم².
اعتمد لبنان في ترسيمه البحري مع سوريا على مبدأ “خط الوسط/ ظروف ذات صلة” الذي يأخذ في اعتباره الظروف الجغرافيّة الخاصة للمنطقة، لا سيما تأثير الجُزر والنتوءات الصخريّة اللبنانيّة التي تقع مُقابل شاطئ طرابلس، وبالأخصّ جزيرة رامكين، مع حسبان تأثير الجُزر السورية المقابلة لمحافظة طرطوس، ولا سيّما جزيرة أرواد، وهو مبدأ مدعوم بحجج قانونيّة قوية. أمّا سوريا، فقد رسّمت حدود بلوكاتها النفطيّة البحريّة مع لبنان وفق “الخط الموازي لخطوط العرض”، وهي طريقة لا تدعمها أسس قانونيّة متينة بما يكفي.
رسّم لبنان حدوده الغربية رسمياً مع قبرص عام 2025 وفق طريقة خط الوسط!! واعتبر الطرفان أن النقطة الثلاثيّة مع سوريا هي النقطة اللبنانيّة الشماليّة الأخيرة ذات الرقم 7، بينما تعتبر سوريا أن النقطة الثلاثيّة هي النقطة اللبنانية الرقم 5، أو أي نقطة أخرى تقع على امتدادها الغربي وفق زاوية 270 درجة تنطلق من البر عند سرير النهر الجنوبي الكبير، ما يجعل المنطقة المُتنازع عليها مع لبنان حوالي 1011 كيلومتراً مربّعاً بالحدّ الأدنى (انظر الخريطة).
إن هذا التضارب في أساليب الترسيم يعتبر أمراً طبيعياً في العلاقات بين الدول الساحليّة المُتجاورة، حيث يحق لكلّ طرف أن يسعى لتحقيق أقصى استفادة من حدوده البحريّة، ما يتطلب، استناداً إلى القانون الدولي، الوصول إلى تفاهمات بين الأطراف المعنيّة. في مطلق الأحوال، تبقى الآلية المُثلى لتسوية هذا الملف هي التفاوض المباشر بين لبنان وسوريا، بما يتماشى مع القوانين الدوليّة ويأخذ بعين الاعتبار مصالح البلدين في قطاع النفط والغاز. وعليه، في حال التوصل إلى اتفاق بشأن ترسيم الحدود البحريّة، يصبح من الضروري وضع آلية مُشتركة لتقاسم الموارد البحريّة بين البلدين، لا سيّما أن مثل هذا الاتفاق سيشجع الشركات العالميّة على التقدم بعروضها لاستثمار الثروات الطبيعيّة في هذه المنطقة البحريّة، ما يعود بالنفع على لبنان وسوريا على المدى الطويل، خاصّةً أن الشركات النفطية لا تعمل في مناطق مُتنازع عليها خوفاً من التبعات القانونيّة.
في الختام، يعتبر ترسيم الحدود البحريّة بين لبنان وسوريا خطوة أساسيّة نحو استثمار الموارد البحريّة المُشتركة، لكنه يبقى مفتوحاً على العديد من التحديات القانونيّة والسياسيّة. لكن مع اعتماد خيار التفاوض بناءً على مبادئ القانون الدولي، من المتوقع أن يتمّ إيجاد حل عادل يضمن مصلحة كلا البلدين، ويساهم في تحفيز الاستثمارات النفطيّة الحيويّة في هذه المنطقة.
ترسيم الحدود البحريّة بين لبنان وسوريا: المنطقة المُتنازع عليها 1011 كيلومتراً مربّعاً | النهار









اترك ردك