لكن ما يبدو ترفاً خالصاً على السطح، يحمل في الداخل قصة اقتصاد صغيرة تتحرّك. فموجة الحفلات المكتملة لا تعني تعافياً شاملاً، لكنها تعكس “سيولة متفرقة” تدخل السوق من أكثر من باب، من تحويلات المغتربين، إلى إنفاق سياحي، وصولاً إلى رغبة شريحة واسعة في تعويض سنوات ضغط طويلة. هذا النوع من الإنفاق يتحول سريعاً إلى حركة في قطاعات موازية، النقل، المطاعم، خدمات الأمن، الإضاءة والصوت، وحتى المصوّرين وصانعي المحتوى.
من جهة القطاع نفسه، الناس تريد حدثاً لا سهرة فقط، اسم قويا، عرضا بصريا، وتجربة كاملة، وهذا ما يدفعها للحجز باكراً. فالمنافسة باتت على الجودة والهوية، لا على الصوت المرتفع وحده، وهذا ما يبرهن أمرين أساسيين. أولا، عودة المطربين اللبنانيين بقوة وبشكل أسبوعي، بعد أن سُحِب البساط من تحت لبنان خلال فترات سابقة، بالاضافة إلى عدم انقطاع الاسماء العربية الشهيرة عن إحياء الحفلات بشكل شبه أسبوعي في لبنان، بغض النظر عن وجود عيد، أو مناسبة، من عدمه. وهذا ما يبرهن أيضا شدّة المنافسة بين متعهدي هكذا حفلات، الذين يحاولون الوصول إلى أعلى درجة من التقنية اللازمة، وهذا ما يرفع بالتوازي عدد فرص العمل الموسمية، من فرق تقنية إلى موظفي استقبال وخدمات.
غير أن الصورة ليست وردية بالكامل. فبينما تمتلئ بعض الحفلات، يبقى السؤال عن الفئات التي تُقصى تلقائياً من هذا المشهد بسبب كلفة التذاكر والأسعار. فالسوق منقسم بين سهرات “فاخرة” قادرة على البيع السريع، وسهرات أخرى تحاول الصمود بتخفيضات وعروض وابتكار.
في الخلاصة، انتعاش السهر في لبنان ليس مجرد قصة موسيقى وأضواء، بل مؤشر على قدرة المجتمع على انشاء دورة حياة داخل أزمته. قد لا يكون تعافياً اقتصادياً بالمعنى الكبير، لكنه نبض واضح لمدينة تريد أن تقول إن الليل ما زال لها، حتى حين يتعثر النهار.
المصدر:
خاص لبنان24










اترك ردك