دخل لبنان عمليًا في العدّ العكسي للاستحقاق النيابي، بعدما ثُبّتت المواعيد رسميًا: اقتراع اللبنانيين غير المقيمين في 3 أيار، واقتراع المقيمين في 10 أيار، بالتوازي مع فتح باب الترشيحات وإطلاق العجلة الإدارية. وعلى الرغم من ذلك، لا يزال الغموض يكتنف هذه الانتخابات، ليس فقط على مستوى اللوائح والتحالفات، ولكن أيضًا على القاعدة التي ستُبنى عليها، فهل تجري وفق القانون بكامل أحكامه، أم وفق نسخة “مبتورة” يحاول البعض تمريرها بحكم الأمر الواقع؟
لعلّ العقدة الأوضح اليوم هي عقدة اقتراع المغتربين وتمثيلهم، وتحديدًا ما يرتبط بـ”الدائرة 16″ والمقاعد الستة المخصّصة للانتشار، بين من يرى أنّ المشكلة تقنية ويمكن حلّها بمراسيم تطبيقية، ومن يصرّ على أنّها سياسية وإدارية في جوهرها، وأنّ التأخير مقصود لأنه يُعيد خلط التوازنات. وبذلك، يجد اللبنانيون أنفسهم مرّة أخرى قبيل موعد انتخابي “دوريّ”، أمام معركة سياسية مكتملة العناوين: من يضع قواعد اللعبة قبل أن تبدأ، ومن يمتلك حق تعديلها أو تعطيلها أو نقلها إلى مسار طعن، فيضع الاستحقاق كلّه تحت ضغط الوقت.
اللافت أنّ السجال يتقدّم هذه المرة من بوابة “شرعية الانتخابات” نفسها، كما أوحى رئيس “التيار الوطني الحر” جبران باسيل الذي رفع سقف الموقف إلى حدّ القول إنّ الانتخابات “من دون المنتشرين” فاقدة للشرعية، وذكّر بأنّ عشرات الآلاف سجلوا في الخارج على أساس القانون الحالي، وبأنّ المجلس يصبح عمليًا 134 نائبًا مع المقاعد الستة ولا يمكن “شطبها” إداريًا. وبهذا الخطاب، يبدو أنّ باسيل يفتح معركة قانون الانتخاب قبل أن تبدأ الحملات الانتخابية، وقد لا يكون ذلك مستغربًا، فالصراع اليوم ليس على مقعد هنا أو هناك، بل على طريقة إنتاج البرلمان.
“الدائرة 16”.. أين تكمن العقدة الأساسية؟
لعلّ المفارقة أنّ الخلاف ليس على “مبدأ” حق الانتشار بالاقتراع، بل على شكل هذا الحقّ وكيفية تنظيمه: هل يُنتخب المغتربون ممثليهم الستة ضمن دائرة مستقلة (الدائرة 16)، أم يقترعون للـ128 نائبًا ضمن دوائرهم الأصلية كما يطالب خصوم فكرة “حصرهم” بستة مقاعد؟
هنا تتداخل المسألة القانونية بالسياسية، ففي وقتٍ يلوّح باسيل بسلاح سياسي–قانوني يوازي سلاح التعبئة الشعبية، من خلال التشكيك المسبق بالنتائج وبالآلية وبالمشروعية، يرفض رئيس المجلس النيابي نبيه بري إدراج مشروع قانون أحالته الحكومة لتعديل القانون بما يسمح للمغتربين بالاقتراع للـ128 نائبًا وفق دوائرهم، في وقت تؤكد فيه مصادر وزارة الداخلية أنّ “الدائرة 16” نفسها تحتاج لمراسيم تطبيقية وقرار حكومي وفق آليات محددة، وأنّ غياب الحسم التشريعي أو التنفيذي يضع العملية كلها على حافة الطعن.
لكن أبعد من النصوص، يبدو أنّ كل طرف يقرأ ملف المغتربين بميزان الربح والخسارة. فحصر المنتشرين بستة مقاعد يُطمئن قوى تخشى أثر الكتل الاغترابية على الدوائر الحساسة، فيما فتح اقتراعهم للـ128 نائبًا قد يُحدث “مفاجآت” في دوائر محددة ويُعيد رسم أحجام كتل نيابية. وبالتالي فإنّ هذا الملف لم يعد بندًا إصلاحيًا، بل أصبح “مفتاحًا” بإعادة توزيع الأوزان داخل البرلمان المقبل، ولشدّ العصب داخل البيئة المسيحية تحديدًا، فضلًا عن تبادل الرسائل بين القوى التي تختبر أحجامها قبل الاستحقاق بوقت طويل.
ماذا عن الهاجس الأمني؟
النتيجة العملية لهذا التشابك أنّ الاستحقاق مهدّد من زاويتين: الأولى شرعية–دستورية عبر الطعون إذا جرى “قصّ” مواد من القانون أو تطبيقه انتقائيًا، والثانية سياسية عبر استخدام العقدة نفسها كذريعة لتأجيل “تقني” إذا تعذّر إيجاد مخرج سريع، علمًا أنّ وزير الداخلية نفسه يقرّ بأنّ أي طعن أو إشكال يفرض على السلطة التنفيذية الالتزام بالرأي القضائي، مع تأكيده أن الوزارة تعمل لتجنب الطعون.
لكن هذا ليس كلّ شيء، فحتى لو حُلّت عقدة المغتربين، يبقى الاستحقاق محاصرًا بسؤال أمني ثقيل: هل تسمح البيئة الإقليمية بإجراء الانتخابات في موعدها، خصوصًا في ظلّ تقارير تتحدث عن تصعيد إسرائيلي متدرّج، وعن محاولة إسرائيل ربط ساحات متعددة ببعضها، ولو أنّ الداخل منقسم حول ما إذا كان الأمن ذريعة أم عاملاً حاسمًا، ففي حين يرى البعض في التأجيل مصلحة لتفادي امتحان شعبي في لحظة إنهاك اقتصادي واجتماعي، ثمّة من يعتبر أنّ إجراء الانتخابات سريعًا يثبّت التوازنات القائمة قبل أيّ تغيّر كبير.
اللافت أنّ العنوان الرسمي، أي رئاسة الجمهورية والحكومة ورئاسة المجلس، يرفع شعار احترام المواعيد الدستورية، ويقدّمه بوصفه ضرورة لإعادة “انتظام” المؤسسات وطمأنة الخارج. غير أنّ الممارسة السياسية تُنتج العكس: اشتباك على القانون، تضارب في تفسير الصلاحيات، وملف انتخابي يُدار بعقلية تسجيل النقاط، وهذا تحديدًا ما يجعل الأمن عامل ضغط مضاعف لأنه لا يحتاج إلى قرار داخلي كي يتدهور.
باختصار، المشكلة ليست أنّ الانتخابات “قد تتأجل” فحسب، بل أنّها قد تُجرى في موعدها مع شرعية مطعونة ومناخ سياسي مشحون، إذا استمرت مقاربة القانون بمنطق الانتقاء. هنا، يصبح واضحًا أنّ “الدائرة 16” ليست تفصيلًا، بل اختبار لقدرة الدولة على تطبيق قانونها على الجميع، واختبار لنوايا القوى السياسية: هل تريد انتخابات فعلية أم تريد موعدًا يُستخدم كسلاح تفاوض؟
لعلّ العقدة الأوضح اليوم هي عقدة اقتراع المغتربين وتمثيلهم، وتحديدًا ما يرتبط بـ”الدائرة 16″ والمقاعد الستة المخصّصة للانتشار، بين من يرى أنّ المشكلة تقنية ويمكن حلّها بمراسيم تطبيقية، ومن يصرّ على أنّها سياسية وإدارية في جوهرها، وأنّ التأخير مقصود لأنه يُعيد خلط التوازنات. وبذلك، يجد اللبنانيون أنفسهم مرّة أخرى قبيل موعد انتخابي “دوريّ”، أمام معركة سياسية مكتملة العناوين: من يضع قواعد اللعبة قبل أن تبدأ، ومن يمتلك حق تعديلها أو تعطيلها أو نقلها إلى مسار طعن، فيضع الاستحقاق كلّه تحت ضغط الوقت.
اللافت أنّ السجال يتقدّم هذه المرة من بوابة “شرعية الانتخابات” نفسها، كما أوحى رئيس “التيار الوطني الحر” جبران باسيل الذي رفع سقف الموقف إلى حدّ القول إنّ الانتخابات “من دون المنتشرين” فاقدة للشرعية، وذكّر بأنّ عشرات الآلاف سجلوا في الخارج على أساس القانون الحالي، وبأنّ المجلس يصبح عمليًا 134 نائبًا مع المقاعد الستة ولا يمكن “شطبها” إداريًا. وبهذا الخطاب، يبدو أنّ باسيل يفتح معركة قانون الانتخاب قبل أن تبدأ الحملات الانتخابية، وقد لا يكون ذلك مستغربًا، فالصراع اليوم ليس على مقعد هنا أو هناك، بل على طريقة إنتاج البرلمان.
“الدائرة 16”.. أين تكمن العقدة الأساسية؟
لعلّ المفارقة أنّ الخلاف ليس على “مبدأ” حق الانتشار بالاقتراع، بل على شكل هذا الحقّ وكيفية تنظيمه: هل يُنتخب المغتربون ممثليهم الستة ضمن دائرة مستقلة (الدائرة 16)، أم يقترعون للـ128 نائبًا ضمن دوائرهم الأصلية كما يطالب خصوم فكرة “حصرهم” بستة مقاعد؟
هنا تتداخل المسألة القانونية بالسياسية، ففي وقتٍ يلوّح باسيل بسلاح سياسي–قانوني يوازي سلاح التعبئة الشعبية، من خلال التشكيك المسبق بالنتائج وبالآلية وبالمشروعية، يرفض رئيس المجلس النيابي نبيه بري إدراج مشروع قانون أحالته الحكومة لتعديل القانون بما يسمح للمغتربين بالاقتراع للـ128 نائبًا وفق دوائرهم، في وقت تؤكد فيه مصادر وزارة الداخلية أنّ “الدائرة 16” نفسها تحتاج لمراسيم تطبيقية وقرار حكومي وفق آليات محددة، وأنّ غياب الحسم التشريعي أو التنفيذي يضع العملية كلها على حافة الطعن.
لكن أبعد من النصوص، يبدو أنّ كل طرف يقرأ ملف المغتربين بميزان الربح والخسارة. فحصر المنتشرين بستة مقاعد يُطمئن قوى تخشى أثر الكتل الاغترابية على الدوائر الحساسة، فيما فتح اقتراعهم للـ128 نائبًا قد يُحدث “مفاجآت” في دوائر محددة ويُعيد رسم أحجام كتل نيابية. وبالتالي فإنّ هذا الملف لم يعد بندًا إصلاحيًا، بل أصبح “مفتاحًا” بإعادة توزيع الأوزان داخل البرلمان المقبل، ولشدّ العصب داخل البيئة المسيحية تحديدًا، فضلًا عن تبادل الرسائل بين القوى التي تختبر أحجامها قبل الاستحقاق بوقت طويل.
ماذا عن الهاجس الأمني؟
النتيجة العملية لهذا التشابك أنّ الاستحقاق مهدّد من زاويتين: الأولى شرعية–دستورية عبر الطعون إذا جرى “قصّ” مواد من القانون أو تطبيقه انتقائيًا، والثانية سياسية عبر استخدام العقدة نفسها كذريعة لتأجيل “تقني” إذا تعذّر إيجاد مخرج سريع، علمًا أنّ وزير الداخلية نفسه يقرّ بأنّ أي طعن أو إشكال يفرض على السلطة التنفيذية الالتزام بالرأي القضائي، مع تأكيده أن الوزارة تعمل لتجنب الطعون.
لكن هذا ليس كلّ شيء، فحتى لو حُلّت عقدة المغتربين، يبقى الاستحقاق محاصرًا بسؤال أمني ثقيل: هل تسمح البيئة الإقليمية بإجراء الانتخابات في موعدها، خصوصًا في ظلّ تقارير تتحدث عن تصعيد إسرائيلي متدرّج، وعن محاولة إسرائيل ربط ساحات متعددة ببعضها، ولو أنّ الداخل منقسم حول ما إذا كان الأمن ذريعة أم عاملاً حاسمًا، ففي حين يرى البعض في التأجيل مصلحة لتفادي امتحان شعبي في لحظة إنهاك اقتصادي واجتماعي، ثمّة من يعتبر أنّ إجراء الانتخابات سريعًا يثبّت التوازنات القائمة قبل أيّ تغيّر كبير.
اللافت أنّ العنوان الرسمي، أي رئاسة الجمهورية والحكومة ورئاسة المجلس، يرفع شعار احترام المواعيد الدستورية، ويقدّمه بوصفه ضرورة لإعادة “انتظام” المؤسسات وطمأنة الخارج. غير أنّ الممارسة السياسية تُنتج العكس: اشتباك على القانون، تضارب في تفسير الصلاحيات، وملف انتخابي يُدار بعقلية تسجيل النقاط، وهذا تحديدًا ما يجعل الأمن عامل ضغط مضاعف لأنه لا يحتاج إلى قرار داخلي كي يتدهور.
باختصار، المشكلة ليست أنّ الانتخابات “قد تتأجل” فحسب، بل أنّها قد تُجرى في موعدها مع شرعية مطعونة ومناخ سياسي مشحون، إذا استمرت مقاربة القانون بمنطق الانتقاء. هنا، يصبح واضحًا أنّ “الدائرة 16” ليست تفصيلًا، بل اختبار لقدرة الدولة على تطبيق قانونها على الجميع، واختبار لنوايا القوى السياسية: هل تريد انتخابات فعلية أم تريد موعدًا يُستخدم كسلاح تفاوض؟












اترك ردك