الساحل اللبناني منصّة تصدير: خط كركوك-بانياس-البدواي بديلاً لهرمز؟

فرض إغلاق مضيق هرمز واقعًا ضاغطًا على أسواق الطاقة العالميّة، بعدما تعرّض هذا الممر البحري، الذي يعبر عبره نحو خُمس تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال عالميًّا، لتعطّل شبه كامل، على وقع المواجهة بين إيران والولايات المتحدة. هذا التطور دفع الدول المنتِجة والمستهلكة على حدّسواء إلى البحث عن بدائل عاجلة لضمان استمراريّة الإمدادات. في خضمّ هذا التحوّل، برز طرح إعادة إحياء خطوط الأنابيب البريّة، منها خط كركوك-بانياس-طرابلس، كمسار قادر على إعادة رسم خريطة الطاقة في المنطقة،ومنح لبنان دورًا محوريًّا فيها.

بدائل قائمة لكن غير كافية
تمكّنت عدد من الدول المنتجة للنفط من الحدّ من تداعيات أزمة هرمز، عبر اعتمادها بدائل، بحيث نجحت السعودية في تأمين جزء كبير من صادراتها عبر خط الأنابيب شرق–غرب، بطاقة تصل إلى نحو 7 ملايين برميل يوميًا، ما أتاح لها الاستمرار في تلبية التزاماتها التصديرية، وفق ما لفت عضو المجلس الاقتصادي والاجتماعي الخبير الاقتصادي الدكتور أنيس أبو دياب في حديث لـ “لبنان 24”.بدورها، تمتلك الإمارات قدرة تصدير تقارب 1.5 مليون برميل يوميًا عبر موانئها خارج مضيق هرمز، فيما لا تواجه سلطنة عمان المشكلة نفسها، بحكم موقعها الجغرافي خارج نطاق المضيق. أما روسيا، فتؤمّن تدفقات كبيرة نحو آسيا، لا سيّما إلى الهند والصين. في المقابل، تبقى دول مثل الكويت وقطر الأكثر تضررًا، فيما تتحمّل الدول المستهلكة الكبرى، كالصين واليابان، كلفة اضطرابات الإمدادات وارتفاع الأسعار.

ورغم الاضطراب في سلاسل الإمداد، يشير أبو دياب إلى أنّ الأسواق لم تصل بعد إلى مستوى أزمة شبيهة بأزمة النفط عام 1973، بفضل الاحتياطات الاستراتيجيّة التي راكمتها الدول الصناعيّة، والتي منحتها هامشًا من الوقت لامتصاص الصدمات.

العراق: الخاسر الأكبر من إغلاق هرمز
إذا كانت بعض الدول قد نجحت في التكيّف، فإن العراق يبدو الأكثر تضررًا. فاعتماده شبه الكامل على مرافئه الجنوبيّة جعل اقتصاده رهينة المضيق، بحيث تراجعت قدرته الإنتاجيّة بشكل حادّ، في ظل عجزه عن تصدير النفط الخام، ما دفعه إلى إعلان “القوّة القاهرة” على عدد من الحقول النفطية. وتشير التقديرات إلى أنّ الإنتاج انخفض من نحو 4.4 مليون برميل يوميًّا إلى أقل من 800 ألف برميل. وقد أعادت بغداد جزئيًّا تشغيل خط كركوك-جيهان عبر تركيا، إلا أنّ هذا المسار يبقى محدود السعة وهشًّا سياسيًّا، ما يعزز الحاجة إلى بديل أكثر استقرارًا ومرونة.

عودة إلى خط كركوك-طرابلس؟
في ظلّ هذه المعطيات، يعود الحديث بقوّة عن إعادة تفعيل خط كركوك–بانياس–طرابلس، الذي توقّف منذ ثمانينيات القرن الماضي نتيجة الحروب والتعقيدات السياسيّة. يستلزم هذا الخيار إعادة تأهيل بنية تحتيّة، تنطلق من حقول كركوك في العراق، مرورًا بسوريا، وصولًا إلى منشآت النفط في طرابلس شمال لبنان، حيث يمكن شحن النفط عبر البحر المتوسط إلى الأسواق الأوروبيّة.
يؤكد أبو دياب أن هذا المسار يُعد من أكثر الحلول واقعيّة”خصوصًا أن جزءًا كبيرًا من البنية التحتيّة لا يزال قائمًا، وأن منشآت طرابلس، التي كانت قادرة سابقًا على تصدير نحو 400 ألف برميل يوميًا، تشكّل نقطة ارتكاز أساسيّة لهذا المشروع”.

لبنان من الهامش إلى قلب المعادلة؟
إعادة إحياء هذا الخط لا تحمل أبعادًا تقنية فحسب، بل تفتح أمام لبنان نافذة اقتصاديّة واستراتيجيّة واسعة. إذ يمكن أن يحقق هذا المسار إيرادات سنويّة تتراوح بين 80 و275 مليون دولار، من رسوم العبور والخدمات اللوجستيّة.لكن الأهم من العائدات المباشرة، يكمن في استعادة لبنان لدوره الجيوسياسي، كممر حيوي للطاقة بين الشرق والغرب. فمع سعي أوروبا إلى تنويع مصادرها، قد يتحوّل الساحل اللبناني إلى منصّة تصدير بديلة، ما يعزز مكانته في معادلة أمن الطاقة الإقليمي، ويضعه على أجندة الاستثمارات الدوليّة في البنية التحتية.

تحديات التنفيذ
رغم جاذبية هذا الطرح، فإن تنفيذه لا يخلو من تحديات. فإعادة تأهيل الخط تتطلّب استثمارات وتنسيقًا سياسيًا وأمنيًا بين عدة دول، إضافة إلى ضمان استقرار الممرات البريّة. صحيح أنّ بعض العوائق، كالعقوبات على سوريا، قد تراجعت، إلا أن البيئة الجيوسياسيّة لا تزال معقّدة، ما يجعل أيّ مشروع من هذا النوع رهينة التفاهمات الإقليميّة والدوليّة. وفي موازاة ذلك، يدرس العراق بالفعل خيارات متعددة لتعزيز مرونة صادراته، من بينها إنشاء خطوط جديدة نحو سوريا والأردن، ورفع القدرة التصديرية عبر تركيا، في إطار استراتيجية شاملة لتقليل الاعتماد على هرمز.

لبنان والفرصة الضائعة… والممكنة
يرى أبو دياب أنّ لبنان كان يمكن أن يستفيد بشكل أكبر لو لم ينخرط في الصراع القائم، إذ كان مؤهّلاً ليكون مركزًا لوجستيًا رئيسيًّا للدول العربية، ليس فقط في مجال الطاقة، بل أيضًا في تأمين السلع الأساسيّة عبر مرافئه، معتبرًا أنّ الفرصة لا تزال قائمة “فإعادة وصل خطوط الأنابيب بين الخليج وبلدان المتوسط قد تعيد رسم الدور الاقتصادي للبنان، شرط أن تتوافر الإرادة السياسية والرؤية الاستراتيجية”.
بالمحصلة، مع تعثّر مضيق هرمز، يبرز خط كركوك–طرابلس كخيار عملي يعيد للبنان دورًا في خريطة الطاقة. الفرصة متاحة، لكن تحقيقها يبقى مرهونًا بالقرار السياسي والاستقرار الإقليمي.