عودة الاجتماع المزمع عقده اليوم إلى مساره الصحيح لم تكن نتيجة تقارب مفاجئ، بقدر ما كانت ثمرة ضغوطٍ إقليمية طالبت بعدم الانسحاب من المسار الدبلوماسي، وإتاحة الفرصة للاستماع إلى الطرح الإيراني. وتشير المصادر إلى أن الاتفاق جاء احتراما لطلب حلفاء المنطقة، في مؤشر إلى أن الحسابات الإقليمية لا تزال تلعب دورا أساسيا في توجيه القرار.
من جانبها، شددت إيران على أن المحادثات ستستكمل في إطار نووي صرف، من دون التطرق إلى ملفات الصواريخ البالستية أو ما يصفه البعض بـالأذرع الإقليمية. وأكدت مصادر إيرانية أن أي محاولة لطرح ملفات خارج هذا الإطار ستكون سببًا مباشرًا لتعثر المفاوضات، وأن القدرات العسكرية جزء من الأمن القومي وغير قابلة للتفاوض.
ويعكس هذا التباين عمق الخلاف في الأولويات بين القوى الكبرى؛ فإدارة الرئيس الأميركي ترى في الملف النفطي أداةً لتطويق الصين ومحاصرتها، بينما تركز إسرائيل على تحييد ما تسميه بالتهديد الصاروخي الإيراني. وتمتلك إيران أكبر ترسانة صواريخ بالستية في الشرق الأوسط، بمديات تصل إلى 2500 كيلومتر، قادرة على ضرب إسرائيل، وتشمل صواريخ بعيدة المدى، وفرط صوتية، ومنشآت تحت الأرض. وقد طرحت أفكار لتقييد مدى الصواريخ من قبل روسيا ليصل إلى 750 كيلومترًا، وهو ما قوبل برفض إيراني قاطع. وجاء إعلان الحرس الثوري الإيراني عن صاروخ جديد ليؤكد هذا الرفض عمليا.
وتتزايد الاعتقادات لدى المراقبين بأن المفاوضات الحالية قد لا تكون سوى مفاوضات خداع، تمهيدا لعمل عسكري محتمل، أو حتى لضربة نووية، رغم أنها تبقى محفوفة بالمخاطر. فقد استخدمت الولايات المتحدة كل أوراق الضغط ضد إيران منذ الثورة الإسلامية، بدءا من الحرب العراقية، مرورا بالحصار والعقوبات المستمرة، وصولا إلى دعم مختلف التحركات المناهضة للنظام داخل البلاد. كما جاءت حرب حزيران لتُظهر جانبا من قوة إيران في مواجهة إسرائيل. فهل أصبح الخيار الوحيد أمام الولايات المتحدة هو اللجوء إلى السلاح النووي في مواجهة إيران؟
في قلب هذه المعادلة، يبرز سؤال محوري: هل ما زالت الفتوى التي أصدرها المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي عام 2003، والتي تحرم إنتاج وتخزين واستخدام أسلحة الدمار الشامل، سارية المفعول؟ أم أن مجريات حرب حزيران 2025 على إيران وما تلاها من تهديدات قد أوجدت وقائع ومستجدات تجعل امتلاك السلاح النووي حاجةً ضرورية، ولو بحدّها الأدنى، كقوة ردع وضمان للوجود، خاصةً أن تداعيات هزيمة إيران قد تنعكس على مستقبل المنطقة العربية والإسلامية بأكملها؟
وعليه، فإن احتمال رد إيراني واسع قد يجر المنطقة إلى مواجهة شاملة. لذلك، يبقى خيار الحرب، إن فرض، دون العتبة النووية، إذ إن التأكيد المستمر على سلمية البرنامج النووي يحافظ على هامش دبلوماسي حيوي في ظل تصاعد التهديدات.
ويلخص هذا الواقع طبيعة اللحظة الراهنة: دبلوماسية تُدار تحت وقع التهديد، وتفاوض على حافة الحرب. ويبقى المسار مفتوحا على كل الاحتمالات، إذ لا تزال فرضية إسقاط النظام مطروحة على طاولة الأميركيين والإسرائيليين، ما يبقي خطر انزلاق المنطقة إلى مواجهة كبرى قائمًا، لن يكون أحد بمنأى عن ارتداداتها.











اترك ردك