الخطوة تحمل دلالة مضاعفة لأن برشلونة كان، طوال السنوات الماضية، أحد الوجوه التي منحت السوبر ليغ وزنًا ورمزية. خروجُه لا يبدّل فقط تركيبة “التحالف”، بل يضع المشروع أمام سؤال وجودي بسيط: كيف يمكن لبطولة هدفها منافسة دوري الأبطال أن تظل قائمة سياسيًا وتسويقيًا إن فقدت أحد قطبيها التاريخيين في إسبانيا؟
لماذا الآن تحديدًا؟
في حسابات الواقع، جاء انسحاب برشلونة في توقيت يُشبه “إقرار الهزيمة بأقل كلفة”. منذ سقوط النسخة الأولى عام 2021 تحت ضغط الجمهور وتهديدات الاتحادات والروابط، ظلّت الفكرة تعيش على إعادة تسمية نفسها وتقديم صيغ جديدة، من دون أن تنجح في إنتاج تحالف واسع قادر على إطلاق بطولة فعلية. ومع مرور الوقت، تآكلت الفكرة من الداخل قبل أن تُحاصر من الخارج: معظم الأندية التي وُضعت في الصف الأول انسحبت أو تبرأت، فيما انتقل النقاش من “مشروع بطولة” إلى “ملف قانوني وسياسي”.
هنا يظهر سبب توقيت برشلونة، فالنادي، المثقل أصلًا بمسائل مالية ومفاوضات داخل منظومة البطولات الأوروبية، بات أمام خيارين أحلاهما مرّ. إما البقاء في معركة طويلة غير مضمونة المردود، أو الخروج وإعادة التموضع ضمن المسار الأوروبي القائم، خاصة وأن الانسحاب جاء بصيغة قاطعة تُغلق الباب على المناورة، لا على المساومة.
ماذا يبقى لريال مدريد؟
مع بقاء ريال مدريد كداعم الأبرز، يتحول السوبر ليغ من مشروع منافسة إلى “قضية مبدأ” بالنسبة للنادي الملكي أكثر من كونها بطولة قابلة للإطلاق غدًا. الريال لا يزال يرى أن إصلاح كرة القدم الأوروبية لا يتم عبر ترقيعات داخل UEFA، بل عبر كسر احتكار التنظيم والعوائد. لكن المشكلة أن المبدأ يحتاج جمهورًا وشركاء قبل أن يحتاج محامين. وحين يتبقى “طرف واحد كبير”، تضعف القدرة على إقناع السوق والرعاة والمشاهدين بأن هناك منتجًا جديدًا فعلًا، لا حربًا رمزية طويلة.
هل انتهى السوبر ليغ فعلًا؟
الانسحاب لا يعني أن “الفكرة” ماتت نهائيًا، بل إن النسخة الصدامية منها تتلاشى. ما قد يعود لاحقًا ليس بطولة موازية لدوري الأبطال، بل نموذج مُخفّف داخل المنظومة أو بمحاذاتها، من خلال تحديث أكبر لتوزيع العائدات، صيغ جديدة للمسابقات، أو أدوات ضغط تُستخدم في التفاوض أكثر مما تُستخدم في التنظيم. وهذا بالضبط ما حاولت الجهة الداعمة للمشروع تسويقه عبر مقترحاتها الأخيرة حول “فتح المنافسة” وتغيير شكل البطولات.
وعليه، فان انسحاب برشلونة يقدّم قراءة واحدة صريحة: كرة القدم الأوروبية ربحت الوقت، والوقت قتل التمرّد. ومع كل يوم يمرّ دون إطلاق بطولة فعلية، يتحول السوبر ليغ إلى عنوان إعلامي بلا جسد. أما ريال مدريد، فسيبقى أمام خيارين لا ثالث لهما: إمّا تحويل المعركة إلى مكاسب تفاوضية داخل النظام، أو الاستمرار في مشروعٍ صار يحتاج أكثر من الشعارات كي يُقنع العالم بأنه ما زال حيًّا.












اترك ردك