وإذ بدا لافتاً الحجم الواسع للرفض والاعتراض السياسي للزيادات التي برّرتها الحكومة بتغطية زيادة الرواتب والاجور في القطاع العام، رصد المراقبون بدقة حالة حكومية بدأت تتأثر بقوة تحت وطأة الاعتبارات الانتخابية لمكوّناتها، بدليل المفارقة التي طبعت رفض وتحفّظ قوى مشاركة في الحكومة أو داعمة لها لقراراتها، فيما لم يحل هذا الرفض دون فرملة إقرارها.
وكتبت” النهار”: تعتبر هذه المفارقة دليلاً إضافياً على ما أدرجه كثيرون في خانة خطأ جسيم ارتكبته الحكومة باستسهالها فرض الزيادة على “المادة الحارقة” البنزين خصوصاً، وعدم اقناع الرأي العام بجدوى ضريبة هي في النهاية لتمويل تحسين أوضاع القطاع العام وإجماع الراي تقريباً أنه كان عليها اختيار المجالات الأنسب لفرض الضرائب التي لا تطاول الفئات الشعبية الواسعة. كما أن ما فاقم هذا “الخطأ” هو توقيته عند مطلع الاستحقاق الانتخابي بحيث ستتعرّض الحكومة في مجمل مسارها لمزيد من الانتقادات، فكيف بالأمور التي تمسّ بالأمن الاجتماعي.
ولعلّ اللافت أيضاً في الإطار العام للمشهد غداة قرارات الحكومة، أن الاعتراض الواسع على قراراتها طغى على قرار حصر السلاح في مرحلته الثانية شمال الليطاني، علماً أن النظرة إليه شابها الالتباس لناحية المهلة المطاطة ما بين أربعة أشهر وثمانية أشهر بما يثير التساؤل حول الأصداء الدولية حياله.
وعلى الأرض أثارت قرارات مجلس الوزراء موجة غضب شعبي، حيث عمد محتجون إلى قطع عدد من الطرق، لا سيما على جسر الرينغ وطريق الكولا والطريق عند مثلث خلدة وأوتوستراد البالما في طرابلس بشكل جزئي. وبينما أعاد الجيش فتح الطرق، أفيد عن دعوات لتحركات إضافية لاحقاً، إذ توافد محتجون مساء إلى ساحة رياض الصلح في وسط بيروت.
وكتبت” الاخبار”: تعاني هذه الحكومة من عطب مركزي يتيح لها استنساخ عقل «السنيورية» من دون أي معوقات. هو عقل المحاسب القائم على تصحيح في المؤشّرات المالية بمعزل عن أي تصوّر اجتماعي واقتصادي، ما يسمح بزيادة ضرائب الاستهلاك في جلسة واحدة، ومن دون أن يعرض على الوزراء أي ملف، بل تُقدّم لهم أثناء انعقاد الجلسة، صفحات قليلة كتبت فيها سيناريوهات «سريعة» ومختصرة عن الكلفة المالية وأدوات تغطيتها.
أما النقاشات التي سادت الجلسة، فكانت كارثية بشكل عام، سواء من الذين وافقوا أو عارضوا أو تحفّظوا، إذ لم يجرؤ أي منهم على تذكير رئيسي الحكومة والجمهورية بالالتزامات الواردة في خطاب القسم والبيان الوزاري عن «الإصلاح والعدالة الاجتماعية». عملياً، لعب المجتمعون، دوراً حاسماً في ارتكاب مجزرة ضرائب روّجوا بأنها لن تطال الفقراء والطبقات.
«قرارات الحكومة تعبّر عن إمعان في النهج المتوارث غير الإصلاحي… الفقراء سيموّلون التصحيح الملتبس لأجور وتعويضات الفئات الأخرى الفقيرة وما دون المتوسطة».
بهذه العبارة يختصر الخبير الاقتصادي كمال حمدان مشهد إقرار الحكومة زيادة بقيمة 320 ألف ليرة على استهلاك كل صفيحة بنزين، أو ما يساوي زيادة 30% على سعر الصفيحة، وبمعدل 1% إضافي على ضريبة القيمة المضافة (TVA) لتصبح 12%، إضافة إلى رسم بقيمة 50 دولاراً على كل مستوعب (كونتينر) من قياس 20 قدماً وبقيمة 80 دولاراً على المستوعب من قياس 40 قدماً. وينطبق قوله أيضاً على مواصلة الحكومة عملية الترقيع التي انطلقت قبل سنوات، عندما زيدت أجور القطاع العام بتعويضات مؤقتة مختلفة لا تختلف عما أقرّته أمس من «تعويض مؤقت» يوازي 6 أضعاف راتب أساس لا يدخل في احتساب تعويضات نهاية الخدمة للموظفين.
ما حصل سبق أن تكرر في سنوات ماضية، حين قرّرت الحكومة استبدال الإجراءات الإصلاحية بإجراءات ذات مفعول سهل التطبيق وفوري على الإيرادات. يومها، استمعت الى صندوق النقد الدولي، وكان الحل برفع الدعم عن البنزين وفرض زيادة على استهلاكه، سواء في 2004 أو في السنوات التالية وصولاً إلى حزيران 2025، حين عرض وزير المال ياسين جابر اقتراحاً على المجلس يقضي بزيادة ضريبة البنزين من أجل تمويل رواتب إضافية للعسكريين والمتقاعدين، علماً أن هذه الزيادة الضريبية سقطت في تموز من السنة نفسها بعد الطعن بها باعتبارها خطوة غير دستورية.
اضافت” الاخبار”؛ بدا كأن الوزراء مغلوب على أمرهم. وأن نهج التغيير الذي عُيّنوا على أساسه، مجرّد شائعات، فهم لا ينظرون إلى مفاعيل الإجراءات القاسية والمؤلمة التي اتّخذوها. ويقول وزير الصناعة «لم يعرض علينا أي دراسة اقتصادية لنتائج القرارات التي اتخذت في الجلسة». وهذا ما يقود الى أن العقل الحاكم ما يزال نفسه حاضراً ونافذاً في قرارات السلطة التنفيذية، وكأن الإفلاس لم يحصل في 2019، وكأن نتائج العدوان الإسرائيلي ليست حاضرة.
والحكومة استنسخت قرارات سلطات سابقة وفق قواعد صندوق النقد الدولي الذي يمنع حصول عجز مالي، وهو ما ردده الوزير جابر مراراً: «لا مصروف بلا مدخول»، ثم أضاف إليها في الهيئة العامة لمجلس النواب التي عقدت أخيراً: «ماذا أقول لصندوق النقد الدولي؟».
الحكومة سارت على خطّ الاستسهال في الشكل وتعزيز المضمون الذي ينطوي على «مفاعيل طبقية واجتماعية تعكس طبيعة بنية الاقتصاد السياسي والاجتماعي الذي يمكن اختصاره بـ: «الدولة العميقة»، إذ لا تزال الضرائب والرسوم غير المباشرة تشكّل عماد قرارات الحكومة في بلد يعاني، وفقاً لدراسات المنظمات الدولية، من انعدام العدالة الفاقع لجهة الدخل والثروة» وفقاً لحمدان.
عملياً، يقول حمدان إن «الفقراء سيموّلون التصحيح الملتبس لأجور وتعويضات الفئات الفقيرة وما دون المتوسطة»، مستغرباً من عدم لجوء أي من الأطراف السياسية، القديم منها والمستجد، إلى البحث عن «بدائل». إذ كان يمكن «بذل جهود أكبر لإقرار تشريعات دخل تصاعدية، وفتح ملفات أخرى مثل ضرائب الإرث واستثمار الملك العام». حتى الآن لم تدرك هذه الحكومة نتيجة فعلتها، فبحسب حمدان ارتفع مؤشر الأسعار بعد دولرتها في منتصف 2023 حتى نهاية 2025 لتصبح الزيادة الوسطية المتراكمة 46%..
وكتبت” نداء الوطن”: بين مطرقة مطالب موظفي الإدارات العامة والمتقاعدين العسكريين المحقة بزيادة رواتبهم، وسندان عبء فرض ضرائب وانعكاسها تضخمًا في الأسعار والمعيشة، صدر حكم مجلس الوزراء “الجزائي” أمس الأول، بفرض ضريبة على سعر البنزين بقيمة 300 ألف ليرة وإلغاء الزيادة على المازوت، ورفع الضريبة على القيمة المضافة بنسبة 1 % إلى 12 % وذلك للتمكّن من إعطاء الموظفين الإداريين بكافة أسلاكهم والمتعاقدين 6 رواتب إضافية، مع كامل متمّماتها للعسكريين، بكلفة تقدّر بـ 800 مليون دولار.
التوافق على إعطاء الموظفين الإداريين في المؤسّسات العامة 6 رواتب إضافية، حلّ عبئًا ثقيلًا على اللبنانيين الذين بدأوا بقطع الطرقات احتجاجًا. وقد جاء هذا القرار بعد طرح سيناريوين في جلسة مجلس الوزراء ميّز أحدهما موظفي الإدارة العامة عن الأجهزة العسكرية فلقي اعتراضًا من بعض الوزراء ومنهم وزراء الجمهورية القويّة.
تضمّن السيناريو الأوّل، إعطاء 4 رواتب للموظفين الإداريين في المؤسّسات العامة و 6 رواتب للعسكريين. السيناريو الثاني نصّ على إعطاء 6 رواتب للموظفين الإداريين بكافة أسلاكهم والعسكريين مع كامل متمّماتها. والمتمّمات للعسكريين هي بقيمة نحو 60 مليون دولار وهي عبارة عن بدل النقل ومساعدات عائلية… أما حول زيادة الرواتب الستة فتحتسب كالتالي إذا كان الراتب في العام 2019 مليون ليرة أي ما يوازي نحو 700 دولار، فسيصبح المعاش الشهري مع الزيادة 6 ملايين ليرة.
طبعًا تلك الزيادة المحقة للموظفين الإداريين في المؤسّسات العامة والعسكريين، والتي أقرّها مجلس الوزراء وجاءت من دون توزيع دراسة مفصّلة حولها على الوزراء قبل الجلسة، أثارت اعتراضات كونها ستتسبّب، في حال أقرّت بقانون في مجلس النوّاب، في تضخم أسعار السلع الاستهلاكية تأثرًا بزيادة الـ TVA إلى نسبة 12 % ارتفاعًا من 11 %، وارتفاع سعر صفيحة البنزين 300 ألف ليرة وما يتبع ذلك من زيادة تعرفة النقل في الـ “فانات”، التي يستخدمها الفقير والـ “سرفيس” والـ “تاكسي” ونقل البضائع، والمبالغة في زيادة الأسعار من قبل التجّار الذين سيتحجّجون بتلك الضرائب.
وكتبت” الديار”: رات اوساط مطلبية، أنّ الإصرار على اعتماد «سياسات جباية عمياء» في ذروة الانهيار، تؤكد أن الحكومة «مش قوية الا عالمعتر»، في امتداد لنهج فرضها الضرائب السهلة والمضمونة التحصيل، في وقت تتآكل فيه الأجور، وتغيب أي شبكة أمان اجتماعي فعلية، فيما تتفلّت الأسعار من أي رقابة جدّية ويستمر الاحتكار بلا محاسبة، تحديدا عشية شهر رمضان.
واشارت المصادر الى أن هذه السياسات ستدفع البلاد إلى موجة تضخمية جديدة يصعب احتواؤها، ما سيضع السلم الاجتماعي أمام مخاطر جدية، كاشفة ان المرحلة المقبلة ستشهد تحركا نقابيا وشعبيا واسعا، منظّما وتصاعديا، يشمل اعتصامات ومظاهرات على كامل الأراضي في لبنان، هدفها الضغط لإسقاط هذه التدابير والانتقال إلى مقاربة مختلفة تقوم على محاسبة الفاسدين واسترداد الأموال المنهوبة، بدل الاستمرار في «معاقبة الفقراء والضحك عليهم»، عبر زيادة لا تتجاوز ال 160$ للموظف، سرعان ما تآكلت بفعل الرسوم المفروضة.
بدوره، شرح وزير المال ياسين جابر خلفيات القرار وابعاده، مؤكدا أنه «كان من الضروري اتخاذ خطوات من أجل تحقيق التوازن وتغطية بعض المطالب والقرارات الحكومية ستؤمّن 620 مليون دولار».
في كل الاحوال، موجة الغضب الشعبي، ترجمت حركة عفوية في الشارع، حيث عمد محتجون الى قطع عدد من الطرق في اكثر من منطقة اعتراضا، عند نقاط سبق وصنفت امنيا بالـ «حمراء» في زمن ثورة «17 تشرين» نظرا لرمزيتها، فيما عمد الجيش الى التدخل واعاد فتح الطرقات، وسط تقارير امنية تتحدث عن امكان اتساع الاحتجاجات وتطورها خلال الفترة المقبلة، وهو ما دفع الى اتخاذ سلسلة من الاجراءات الاحترازية «غير الظاهرة».











اترك ردك