هكذا ومن دون سابق إنذار، استفاق الجنوبيون على نبأ عملية لحزب الله جنوبا، ردًّا على اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي. لم يتمكن اهالي الجنوب حتّى من تناول سحورهم، لتبدأ مع ذلك رحلة “النزوح” الأصعب، التي لم تذهب آثارها بعد من ذاكرة الجنوبيين إبّان الاعتداءات الاسرائيلية السابقة.
الجزيرة نت ترصد حركة النزوح من الضاحية الجنوبية لبيروت” style=”width: 100%; height: 100%;” />
هذه المرة، لم يكن النزوح مجرد حركة هروب من الخطر، بل لحظة افتراق داخل البيئة نفسها. لافتٌ كيف انقسمت الآراء بين من ردّد من جديد “لبيك يا نصرالله” و”لبيك يا مقاومة” و”لبيك يا خامنئي”، معتبرًا أن ما يحصل “ثمن واجب” في معركة أكبر، وبين آخرين امتعضوا ورفضوا منطق تكرار المشهد، لا من باب السياسة فقط، بل من باب الحياة اليومية التي لم تُستعد أصلًا. كثيرون لم يرمموا منازلهم المدمرة بعد، ولا يزالون يعيشون على بقايا جدران، أو على وعود التعويض، أو على انتظار لا ينتهي.
صيدا” style=”width: 100%; height: 100%;” />
في الطريق إلى “المراكز”، تتكثّف الإهانة بصمت. عائلات تحاول الوصول بسيارات شبه فارغة، فيما الحصول على “البنزين” عند المحطات الممتلئة إذلال آخر، والازدحام يضاعف ساعات التنقل. من لا يملك وسيلة نقل يبقى عالقًا بين قرية لم تعد آمنة ووجهة لا يعرف إن كانت ستستقبله أصلًا. ومع كل توقف على حاجز أو عند عقدة سير، يتكرّر سؤال واحد بين الناس “إلى أين سنذهب”.
الشتاء، بدوره، لا يرحم. نقص “المازوت” وآليات التدفئة يجعل فكرة النزوح نفسها عبئًا مضاعفًا، خصوصًا لدى كبار السن والأطفال. من اعتاد أن يتدفأ في بيته، أو حتى في غرفة واحدة رمّمها بالكاد، يجد نفسه في مكان إيواء جديد بلا حدّ أدنى من التجهيز. ليست المشكلة فقط أين ينامون، بل كيف يعيشون يومهم التالي، وكيف يؤمّنون الدفء، والماء الساخن، والدواء، ومصاريف لا قدرة عليها لبيوت أنهكتها الحرب وما بعدها.
وهنا يظهر جوهر الأزمة. النزوح لم يعد “طارئًا” بل صار نمطًا يعيد إنتاج الخسارة كل مرة. فحتى الذين ما زالوا يرفعون شعارات الولاء، يصطدمون في النهاية بحسابات الواقع القاسي. والذين اعترضوا، لا يعترضون لأنهم يملكون رفاهية الموقف، بل لأنهم يعيشون فوق ركام لم يُرفع، وداخل اقتصاد لا يسمح بنزوح إضافي، وضمن دولة عاجزة عن إدارة موجات النزوح كما لو أنها حدث استثنائي لا يتكرر.
View this post on Instagram
هؤلاء لا يخفون امتعاضهم لأنهم يشعرون أن ما جرى قلب الطاولة على كل ما بُني عليه مزاجهم في الأيام السابقة. كانوا يتعاملون مع المرحلة على أنها مضبوطة بسقف معيّن، وأن احتمال التورّط المباشر ضعيف، ثم جاءت التطورات لتعيدهم فجأة إلى نقطة الصفر. وإلى جانب عنصر “المفاجأة”، يبرز خوفٌ عمليّ من كلفة أي مواجهة جديدة في توقيت يعتبره كثيرون غير مناسب، مع اعتقاد منتشر بأن ميزان القوة الحالي لا يسمح بفتح معركة طويلة من دون أثمان ثقيلة. وفوق ذلك كله، يتحدث الناس عن تعبٍ مزمن لا يترك لهم هامشًا للمزيد: أزمات اقتصادية ومعيشية متتالية، حرب “إسناد غزة” وتداعياتها، ثم الضربة الأخيرة اليوم، وما يمكن أن تفتحه من سلسلة ضغط جديدة على بيوت بالكاد ما تزال واقفة.
وعليه، بين “القرار” و”الثمن”، يقف الجنوب مجددًا في المسافة الأكثر قسوة. مسافة تترك الناس وحدهم أمام خوفهم، وأمام بيوتهم التي لم تُرمّم، وأمام رحلة بحث جديدة عن سقف مؤقت لا يشبه البيت، ولا يضمن غدًا.


















اترك ردك