الورقة المصرية: مفاوضات مؤجلة على إيقاع الحسابات الإسرائيلية

كتب داوود رمال في” نداء الوطن”: برزت زيارة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي إلى بيروت كحلقة متقدمة في مسار تحرك دبلوماسي وأمني تقوده القاهرة منذ أسابيع، مستندًا إلى سلسلة لقاءات مكثفة أجراها وفد رفيع من المخابرات المصرية في العاصمة اللبنانية، شكّلت في مضمونها محاولة جدية لإعادة فتح قنوات التفاوض غير المباشر تمهيدًا للمباشر على قاعدة مقاربة جديدة.

تشير المعطيات المتوافرة  إلى أن التحرك المصري هذه المرة غُلّف بالسرية لجهة الأفكار المطروحة وليس اللقاءات المعلنة وغير المعلنة، واتخذ طابعًا تفاوضيًا عميقًا، خصوصًا مع انعقاد اجتماعات مطولة مع الأطراف اللبنانية المعنية، أبرزها اللقاء الذي جمع الوفد المصري مع ممثلين عن “حزب الله” واستمر لنحو أربع ساعات ونصف الساعة برعاية المدير العام للأمن العام اللواء حسن شقير، في مؤشر واضح على جدية النقاشات وحجم الملفات المطروحة. هذه اللقاءات أفضت بعد انتهاء كل الاجتماعات إلى بلورة ورقة عمل متكاملة شارك في صوغها الوفد المصري واللواء شقير، استندت إلى أفكار مصرية، وتمت صياغتها بعناية لتأخذ في الاعتبار التوازنات اللبنانية الدقيقة، وكذلك الهواجس الأمنية والسياسية الإقليمية.

اللافت أن هذه الورقة سلكت طريقها إلى المعنيين سريعًا، وحملها اللواء شقير إلى الرئاسات اللبنانية الثلاث، حيث حظيت بموافقة سريعة، في دلالة على وجود تقاطع مصالح داخلي حول ضرورة استثمار أي فرصة لتخفيف التصعيد. كما أن تعاطي “الثنائي الشيعي” مع الطرح المصري جاء إيجابيًا إلى حد كبير، مع تسجيل سرعة لافتة في موافقة رئيس مجلس النواب نبيه بري، ما يعكس إدراكًا لدى هذا الفريق لأهمية الانخراط في مسار تفاوضي مضبوط يحدّ من احتمالات الانزلاق إلى مواجهة أوسع.

غير أن المسار لم يبقَ محصورًا في الإطار اللبناني – المصري، إذ تولت القاهرة نقل الورقة إلى الجانب الإسرائيلي عبر قنوات تواصل مباشرة، حيث تم تسليمها إلى الوزير الإسرائيلي السابق رون ديرمر، المكلف من رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو بإدارة قنوات الاتصال مع واشنطن والتفاوض في الملف اللبناني. وبحسب المعلومات الدبلوماسية في بيروت، فإن ديرمر أحال الورقة إلى نتنياهو الذي بدوره وضعها بين أيدي فريق متخصص لدراستها، من دون أن يصدر حتى الآن أي رد رسمي، ما يعكس نهجًا إسرائيليًا يقوم على كسب الوقت وإبقاء أوراق التفاوض مفتوحة ضمن حسابات أوسع تتصل بتطورات المنطقة.

هذا التأخير في الرد الإسرائيلي يحمل أبعادًا سياسية واضحة، إذ تشير التقديرات الدبلوماسية الغربية في بيروت إلى أن نتنياهو يتعامل مع الملف اللبناني كورقة تفاوضية مؤجلة، يفضل استخدامها في توقيت يخدم استراتيجيته الشاملة، سواء في ما يتعلق بعلاقته مع واشنطن أو في سياق توازنات الداخل الإسرائيلي. وبحسب هذه القراءة، فإن إسرائيل لا ترفض مبدأ التفاوض، لكنها تسعى إلى فرض إيقاعها الخاص عليه، بما يضمن تحقيق أكبر قدر من المكاسب بأقل التنازلات.

انطلاقًا مما سبق، تبدو الساحة اللبنانية اليوم أمام مفترق دقيق؛ ورقة مصرية تحظى بغطاء داخلي وانتظار لقرار إسرائيلي لم ينضج بعد، مقابل تحرك دبلوماسي واسع لتفادي توسّع الانفجار. وبين هذه العوامل، يبقى العامل الحاسم مرتبطًا بتوقيت تل أبيب، التي تمسك بخيوط التفاوض، وتديرها وفق حسابات تتجاوز الحدود اللبنانية إلى مشهد إقليمي أكثر تعقيدًا.