تقليص برامج “الأونروا” لا يطفئ رفاهيةً زائدة، بل يضرب أعصاب الحياة اليومية. المدارس تُخفّض دوامها أو كوادرها؛ العيادات الأولية تقلّص سلال الدواء؛ والمساعدات النقدية تتقطّع. يمكن قياس الأثر بسرعة: تسربٌ مدرسي يتزايد، قاصرون يعودون إلى سوق عمل غير منظّم، وفاتورة صحية لا مكان لها في ميزانيات العائلات. التقديرات الأممية تتحدّث منذ العام الماضي عن هشاشة معيشية واسعة بين اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، فيما الانهيار اللبناني العام زاد الضغط ورفع كلفة كل تفصيل من إيجار ونقل وغذاء.
ليست البطالة وحدها ما يصنع الفقر في المخيم. القيود القانونية والمهنية التي تضيق عشرات المهن وتمنع التملك تبقي الغالبية في أعمال واطئة الأجر عالية الهشاشة. عمليًا، يتشكّل اقتصاد داخلي قائم على يوميات قصيرة، وصيانة خفيفة، وبيع بالتقسيط، وشبكات تضامن عائلية؛ وكل ارتفاع في سعر الدواء أو البنزين يعطّل الدورة بأكملها: يقلّ الاستهلاك، تتراجع حركة الدكاكين، ويزداد التعويل على الدَّين والبيع بالأجل.
مع توقّف المساعدات النقدية وانحسار سلال الغذاء، دخلت الأسر في سباقٍ يومي مع الأساسيات: إيجارات تتراكم لثلاثة وأربعة أشهر، دفاتر ديون في الدكاكين تبلغ حدودها القصوى، تقليص عدد الوجبات أو استبدال البروتين بالكربوهيدرات الأرخص، تخفيف حليب الأطفال بالماء، وإرجاء شراء الأدوية المزمنة إلا عند الطوارئ. انقطاع الكهرباء يُتلف ما يُخزَّن من طعام، وصهاريج المياه الخاصة ترفع أسعارها مع اشتداد الحرّ. في العيادات، طوابير أطول ومرضى يعودون بلا دواء؛ وفي البيوت، توترٌ يشتدّ تحت ضغط العوز. هذه مؤشرات ليست سهلة المرور: خطر سوء تغذية على الأطفال وكبار السن، وتدهور صحي يكلّف أكثر لاحقًا مما توفّره سياسات التقنين اليوم.
صحيًا، تضبط عيادات الرعاية الأولية، داخل المخيم امراضًا مزمنة وتؤمّن اللقاحات، لكن انقطاع الدواء أو نقصه يرفع كُلفًا غير مرئية: تفاقم حالات، طوارئ متكرّرة، وديون صغيرة تتراكم. في بيئة سكن مكتظّة وبنى تحتية متقادمة، أسلاك متشابكة وشبكات مياه قديمة، تتحوّل المخاطر إلى هيكلية لا طارئة.
على المقلب الأمني، سلّمت فصائل فلسطينية جزءًا من السلاح للجيش في برج البراجنة ضمن مسار “حصرية السلاح”. خطوة سياسية–أمنية واضحة، لكنها لا تغيّر معادلة العيش: تنظيم المشهد الأمني لا يملأ فراغ المدرسة والعيادة والمعونة. هنا يظهر التباين جليًّا: إجراءٌ أمنيّ في العلن، وفقْرٌ متصاعد في الظل. ومع استمرار الضغط المعيشي، تتقدّم أنماط التكيّف القاسية: نساء يطوّلن ساعات العمل، قاصرون يبحثون عن يوميات هشّة، ومرضى يؤجّلون العلاج إلى أن يصير طارئًا.
خلاصة الأمر أنّ المخيم يقف اليوم على قدمٍ واحدة: الأمن يُعاد ترتيبه، فيما السند الاجتماعي يتراجع. لا يتعلق النقاش بتبنّي سردية سياسية بعينها، بل بوصف واقعٍ ماديّ بسيط: من دون حدٍّ أدنى مستقر من التعليم والطبابة والمساعدة الأساسية، سيبقى أي تقدّمٍ أمني هشًّا فوق أرضية معيشية تتآكل. والنتيجة، كما يقرأها أهل المكان، أن أولويتهم ليست المصطلحات، بل سؤال واحد مباشر: كيف نعيش الأسبوع المقبل؟
اترك ردك