بلد ينهار فوق رؤوس أهله

قد تكون مأساة انهيار المباني المتصدعة في طرابلس وفي غيرها من المدن المهملة نموذجًا مصغرًا عن بلد متصدّع وآيل إلى الانهيار في أي لحظة مفصلية. وهذا الانهيار الآخذ في التفاعل انما هو ناتج في شكل أساسي عن عدم مقاربة الحكومة الحالية الأوضاع المعيشية للمواطنين من زاوية رؤية اقتصادية مستقبلية بهدف إيجاد حلول سريعة للحدّ من مفاعيل وتداعيات هذا الانهيار، الذي لم يعد مقتصرًا على تهاوي المباني المتصدعة، والتي تختصر بوجع ناسها ومعناتهم وجع وطن بأكمله متروك للصدف وللأقدار المحتومة، في ظل غياب فاقع لحكومة تحاول أن تصرف من كيس غيرها.
فهذه المأساة، التي يعيشها أهالي المباني المتصدعة في الأحياء الفقيرة لمدينتي طرابلس وبيروت، والتي تُعتبر جرس انذار لحكومة يبدو أنها تعيش على كوكب آخر ليس له أي علاقة بمآسي الناس وهمومها المعيشية اليومية. وهذه المأساة من شأنها أن تغرق الحكومة ورئيسها في لجة المتاهات السياسية ذات الخلفية الانتخابية وهاجس العودة “المظفرّة” إلى السراي، ومن شأنها أن تربكها، وهي المرتبكة أساسًا نتيجة ما تواجهه من مشاكل وتعقيدات تُظهر طريقة التعاطي مع هذه الملفات عجزًا غير مسبوق.
فلو حصل ما حصل في طرابلس في فترتين زمنيتين متقاربتين في أي بلد آخر يُحترم فيه الانسان وحقوقه لكان وجب على هذه الحكومة أن تستقيل وترحل غير مأسوف عليها. أمّا وقد حصل ما حصل في بلد متروك للصدف وللمعالجات الآنية والارتجالية بالمسكنات والالهاء والتسويف والتأجيل فإن الحكومة مستمرة وكأن شيئًا لم يحصل، أو كأن ضحايا الإهمال مجرد أرقام.
المشكلة الحقيقية ليست في المباني المتصدّعة وحدها، بل في البنية التي تحكم هذا البلد. فكما أن الجدران تتآكل بصمت قبل أن تنهار فجأة، كذلك تتآكل الدولة منذ سنوات تحت ثقل الإهمال والفساد وانعدام المحاسبة. ما حدث في طرابلس لم يكن حادثًا عرضيًا، بل نتيجة طبيعية لمسار طويل من اللامبالاة الرسمية. المباني لم تسقط فجأة؛ الذي سقط هو مفهوم الدولة الراعية.
الحكومة تعرف حقيقة وضع هذه المباني. وكذلك الأمر بالنسبة إلى محافظ الشمال، وبلدية طرابلس، وهذا هو حال الإدارات المتعاقبة على المسؤولية. فلا حاجة لأي تقارير جديدة لأنها موجودة منذ سنوات، ولكنها “نائمة” في الأدراج، والتحذيرات مكتوبة، والخرائط واضحة. ومع ذلك لم يتحرك أحد إلا بعد وقوع الكارثة. في لبنان، لا يصبح الخطر حقيقيًا إلا بعد أن حدوث المحظور. هذه هي فلسفة الحكم في لبنان: إدارة المآسي بعد وقوعها، لا منعها قبل حدوثها.
والأنكى من كل ذلك أن السلطة تتقن فن التعاطف الإعلامي أكثر مما تتقن فن الإدارة. زيارات ميدانية، وعود بالتعويض، لجان تحقيق، وخطابات مشبعة بالمفردات الإنسانية، ثم يعود كل شيء إلى طبيعته، ويصبح النسيان عنوان المرحلة، ويتحوّل  الضحايا إلى خبر غير مهم في نشرات الأخبار، وتصبح الأنقاض جزءًا من المشهد اليومي، فيما الحكومة تنتقل من أزمة إلى أزمة جديدة تستهلكها في البيانات بدل اقتراح الحلول.
فأي حكومة هذه التي لا تملك خطة وطنية عاجلة للأبنية المتصدعة،
أي حكومة هذه التي تنتظر انهيار الحجر لتتذكر البشر؟
المأساة أن الانهيار العمراني يختصر الانهيار الاجتماعي. الأحياء التي تتهاوى هي نفسها الأحياء التي تعيش الفقر المزمن، والحرمان التاريخي، وأهل السلطة لا يفيقون إلا في موسم الانتخابات. كأن الفقراء في هذا البلد محكومون ليس فقط بضيق العيش، بل بخطر شبح الموت الذي يهدّد حياتهم في أي لحظة.
فلو كان في لبنان حكومة تحترم نفسها وناسها، لكان ما حدث في طرابلس دفعها على الأقل إلى إعلان حالة طوارئ وطنية، ومسح شامل للأبنية المهددة، وانشاء صندوق إنقاذ عاجل، واقتراح خطة إسكان بديلة، ومحاسبة واضحة للمسؤولين المقصرين، الذين تسببوا بفعل إهمالهم الوظيفي بهذه الكارثة. لكن في لبنان، فإن حالة الطوارئ الوحيدة هي الطوارئ السياسية المرتبطة بالحسابات الانتخابية. فحياة الناس تأتي دائمًا بعد ترتيب التحالفات وضمان الأصوات في صندوقة الاقتراع بوعود جوفاء، إن لم نقل كاذبة.
وهنا تكمن الفضيحة الحقيقية. فالحكومة لا تتصرف كسلطة إنقاذ، بل كإدارة مؤقتة تنتظر نهاية ولايتها، مع ما يراود رئيسها من تمنين النفس بعودة مضمونة إلى السراي مرّة جديدة. فلا رؤية إسكانية واضحة، ولا سياسة اجتماعية فاعلة، لا مشروع إعادة إعمار داخلي موضوع على بساط البحث. فقط إدارة يومية للانهيار، وكأنه قدر مكتوب على جباه اللبنانيين ولا يمكن مقاومته.
لبنان لا ينهار بسبب الزلازل، بل بسبب السياسات القائمة على حسابات شخصية ضيقة.
فكل مبنى يسقط هو شهادة إضافية على فشل سلطة لم تعد تقيس خسائرها بعدد الضحايا، بل بمدى قدرتها على احتواء الغضب الشعبي حتى موعد الانتخابات.
البلد ينهار فوق رؤوس أهله والحكومة تتصرف كأنها تقف خارجه، وتراقبه من بعيد.