ميدانياً، أفادت معلومات “لبنان 24” عن أنّ القوات الإسرائيلية كثّفت في الساعات الأخيرة محاولات التقدّم نحو بنت جبيل من أكثر من محور، في مسعى واضح لتطويق المدينة وعزل أحيائها عن بعضها. وبحسب المعطيات، سُجّل ضغط من الجهة الغربية عبر محوري عين إبل والطيري، بالتوازي مع تقدّم من الجنوب والجنوب الشرقي عبر تلال كحيل بين عيترون ومارون الراس وصولاً إلى أطراف عيترون، فيما سُجّلت تحركات من الشمال عبر وادي عيناتا باتجاه كونين وصولاً إلى محيط صفّ الهوا. وتشير المعلومات إلى أنّ هذا التقدّم ترافق مع محاولات فرض طوق ناري على بنت جبيل وتقسيمها ميدانياً، وسط انتشار مجموعات المقاومة على أكثر من جبهة وخوضها اشتباكات متقطعة لعرقلة التوغّل. ورغم محاولات الاقتحام باتجاه الوسط، ولا سيما نحو محيط الملعب، فإنّ المعطيات تتحدث عن تعثّر أكثر من محاولة خلال الساعات الماضية من دون تحقيق اختراق حاسم، مع تراجع بعض القوات في بعض النقاط بفعل صعوبة التقدّم وكثافة المواجهات، ما يبقي الاشتباكات متركزة حتى الآن عند الأطراف والمناطق المتاخمة من دون حسم السيطرة على قلب المدينة القديمة أو السوق.
من ناحبة ثانية، وبحسب ما زعمته وسائل إعلام إسرائيلية، بدأ الجيش الاسرائيلي نشر نقاط مراقبة وتكثيف العمل الجوي والبرّي في محيطها. وذهبت تقارير إسرائيلية إلى الحديث عن “حصار” يضيق على المدينة، فيما وصفت أخرى ما يجري بأنه انتقال واضح لمركز المعركة إلى داخل هذا المحور الحدودي.
وفي موازاة ذلك، صعّد الإعلام الإسرائيلي روايته بشأن المستشفى الحكومي في بنت جبيل، إذ نقل عن الجيش الإسرائيلي قوله إن قواته داهمت الموقع بعد رصد نشاط عسكري داخله أو في محيطه، وتحدث عن العثور على أسلحة ومقتل عدد من المسلحين.
اللافت أيضاً أن هذا التصعيد الإعلامي تزامن مع زيارة ميدانية أعلن عنها الإعلام الإسرائيلي لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس، برفقة رئيس الأركان إيال زامير، إلى القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان. وفي المعنى السياسي، لا تبدو الزيارة مجرد تفقد روتيني، بل رسالة واضحة بأن المؤسسة الإسرائيلية تريد إظهار معركة الجنوب، وبنت جبيل خصوصاً، على أنها أولوية مباشرة على مستوى القرار السياسي والعسكري.
لكن الصورة لا تكتمل من جهة واحدة. ففي المقابل، صدرت خلال اليوم بيانات عسكرية نشرتها وسائل إعلام تابعة لحزب الله تحدثت عن استهداف تجمعات لجنود وآليات إسرائيلية عند مثلث التحرير، وعند الأطراف الشرقية لمدينة بنت جبيل، ثم في محيط مدرسة الإشراق. وهذا يعني أن المدينة لا تظهر، حتى وفق البيانات المعلنة من الطرفين، كمنطقة حُسمت عسكرياً، بل كساحة اشتباك مفتوحة يحاول كل طرف فيها فرض روايته عن التقدم والسيطرة.
وعليه، بنت جبيل أصبحت بالفعل قلب المعارك في هذه المرحلة، لكن ما يصدر من الإعلام الإسرائيلي هو رواية عن حصار وتقدم وضغط ناري، يقابلها من الجهة الأخرى حديث عن استمرار الاستهداف والاشتباك. وبين الروايتين، يبقى الميدان وحده صاحب الكلمة الأخيرة.
بنت جبيل.. ثقل جغرافي ورمزية تتجاوز المدينة
تُعد بنت جبيل مهمة لأنها ليست مجرد مدينة حدودية، بل مركز قضاء في جنوب لبنان وتقع على مسافة قريبة جداً من الحدود، ما يجعلها عقدة طبيعية لأي تحرك عسكري أو محاولة للسيطرة على المحاور المحيطة بها. كما أن موقعها يضعها على ما وصفته تقارير حديثة بـخط المنطقة العازلة بعمق نحو 8 كيلومترات التي تسعى إسرائيل إلى فرضها في الجنوب، لذلك فإن أي تطور فيها ينعكس مباشرة على المشهد الميداني الأوسع.
لكن أهمية بنت جبيل ليست جغرافية فقط، بل رمزية أيضاً. بعد الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000، ألقى السيد حسن نصر الله فيها خطاب”بيت العنكبوت”، ما جعلها في الوجدان السياسي والعسكري لحزب الله بلدة انتصار ومعنى. ثم ازدادت هذه الرمزية بعد معركة 2006 التي شهدت من أعنف المواجهات، وفشلت خلالها قوات العدو الإسرائيلي في إحكام السيطرة الكاملة على المدينة، وهو ما رسّخ اسمها كواحدة من أكثر نقاط الجنوب حساسية












اترك ردك