أما في الجانب الاقتصادي والمعيشي، فقد سلكت الحكومة مسارًا بدا أقرب إلى محاولة لشراء هدنة مؤقتة مع القطاع العام عبر إقرار ستة رواتب إضافية، في محاولة لامتصاص نقمة الموظفين وإعادة الحد الأدنى من الحيوية إلى إدارات عامة شبه مشلولة. غير أن المفارقة تكمن في أن تمويل هذه الزيادة سيأتي مباشرة من جيوب المواطنين، عبر زيادة 300 ألف ليرة على صفيحة البنزين ورفع الضريبة على القيمة المضافة بمعدل 1%، مقابل إلغاء الرسم الذي كان محتسبًا على المازوت.
قدّمت الحكومة في ملف السلاح “زمنًا” للتنفيذ، وقدّمت في ملف الرواتب “قرارًا” سريعًا بالأرقام. وهذا التزامن، سواء كان عفويًا أم مقصودًا، يطرح تساؤلًا جوهريًا حول قدرة الحكومة على الموازنة بين استحقاق سيادي صدامي بطبيعته، هو ملف “حصر السلاح”، وبين ضغط معيشي سينتج فورًا عن زيادة أسعار المحروقات والضرائب، وقد بدأت ملامحه تظهر مع تداول دعوات للتحرك في الشارع.
بكلام آخر، هل تملك الحكومة هامش قرار فعليًا، أم أنها تدير تناقضات ملفين لا يحتملان التأجيل معًا؟
قرار مضبوط بسقف الاحتكاك
في المبدأ، يعني الانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة بسط سلطة الدولة شمال الليطاني أن الملف لم يعد محصورًا جغرافيًا في الجنوب أو في المنطقة الحدودية الضيقة، بل تمدد ليشمل عمقًا سياسيًا وأمنيًا أوسع. وقد بدا خطاب وزير الإعلام واضحًا في التأكيد على هدف “بسط السلطة” من دون الانزلاق إلى صدام مباشر، وهو ما يكشف طبيعة القرار بوصفه تنفيذًا “مشروطًا” بالمعطيات السياسية والأمنية والميدانية.
وهنا، لا يبدو تحديد مهلة زمنية قدرها أربعة أشهر تفصيلًا عابرًا، إذ إنه اعتراف ضمني بأن الدولة تمنح الجيش هامش عمل يراعي توازن البيئة السياسية ومدى تعاون القوى المعنية على الأرض. وفي القراءات المحلية، يظهر أنّ هذه المهلة قابلة للتمديد، ما يعني أنّ الخطة ستُقاس بمدى قدرتها على تجنب “الاحتكاك الكبير” بقدر ما ستُقاس بمدى التقدم الميداني الفعلي في سحب المظاهر المسلحة.
ولأنّ الخطة عمليًا تفترض قدرة على الانتشار والاستدامة، يطرح الجدول الزمني المحدد بأربعة أشهر سؤالًا موازيا يتصل بقدرة المؤسسة العسكرية على تنفيذ المهمة ضمن الإمكانات المتاحة، وبما إذا كان الإطار الزمني يرسم سقفًا للتنفيذ أم يفتح بابًا لتأجيل مستتر تحت عنوان “التمديد التقني”. وفي ظل شحّ التفاصيل المعلنة عن عناصر التنفيذ ومعايير قياس التقدم، تصبح المهلة الزمنية أقرب إلى إطار سياسي لإدارة الملف، لا إلى خطة نهائية مغلقة على مراحل واضحة.
“هدنة” مع القطاع العام
في المقابل، جاء قرار إقرار ستة رواتب إضافية لموظفي القطاع العام سريعًا وحاسمًا في أرقامه، لكنه تضمّن عبئًا ضريبيًا مباشرًا عبر زيادة سعر البنزين ورفع الضريبة على القيمة المضافة.
سياسيًا، يندرج هذا الإجراء ضمن خانة “التهدئة” لخفض منسوب الغضب النقابي، لكنه يعكس في المقابل اعتماد الحكومة مقاربة أقرب إلى “المسكنات المالية” التي تفتقر إلى الاستدامة، إذ بدا إقرار الرواتب الستة كأنه تسوية اجتماعية مؤقتة لتبريد الشارع الوظيفي.
المشكلة في هذه المقاربة هي أنّ الحكومة اختارت المسار الأسهل بنقل التكلفة إلى سوق الاستهلاك، وهو ما يخشى كثيرون أن يؤدي إلى موجة تضخم جديدة تطال أسعار النقل والسلع والخدمات المرتبطة بالطاقة بصورة شبه آلية. ويختصر البعض المعادلة بالقول إنّ السلطة تعطي باليد اليمنى ما ستسترده أضعافًا باليد اليسرى عبر قنوات التضخم التي قد تُفتح على أكثر من مستوى.
ولعلّ الخطورة في هذا التوجه المالي تكمن في أنّ الضريبة على القيمة المضافة، بطبيعتها، ضريبة واسعة الأثر تطال الجميع تقريبًا، ما يعني أن الحكومة تسحب التمويل من قاعدة اجتماعية عريضة تتجاوز بكثير قاعدة المستفيدين من زيادة الرواتب. وهذا التوجه يهدد بتحويل أي نجاح تكتيكي في تهدئة موظفي الدولة إلى سبب لنقمة أوسع لدى فئات شعبية أخرى تجد نفسها مضطرة لدفع أثمان لتغطية زيادات لا تشملها، ما يعمّق الفجوة الاجتماعية.
في الخلاصة، تبدو الحكومة وكأنها تحاول السير على حبل مشدود بين إعطاء الجيش فرصة لتوسيع سيطرة الدولة من دون انفجار داخلي، وبين منح القطاع العام زيادة مالية تُبرد الجبهة المطلبية، ولو على حساب جيوب الناس. لكنّ الامتحان الفعلي لن يكون في النصوص والإجراءات، بل في القدرة على منع تحول مهلة الأربعة أشهر إلى تمديد مفتوح، وفي كبح الارتدادات المعيشية للضرائب الجديدة، لأن أي تدهور سريع سيضعف الغطاء الشعبي لأي مسار صعب من نوع “حصر السلاح”، ويعيد النقاش إلى نقطة الانطلاق.












اترك ردك