وتبرز في هذا السياق، التسريبات الإسرائيلية الأخيرة التي تعمّدت رفع سقف التهديد ليطال البنى التحتية المدنية بشكل عام، وليس فقط تلك المرتبطة بـ”حزب الله”، بما في ذلك مطار بيروت، ما يوحي بأنّ تل أبيب تحاول فرض “قواعد اشتباك” جديدة كليًا، تهدف من خلالها إلى عزل المسار اللبناني عن المسار الإيراني عبر التهديد بـ “التدمير الشامل” للبنية التحتية، في إطار استراتيجية إلى خلق ضغط هائل عبر التلويح بقطع شريان الحياة الوحيد المتبقي للبنان مع العالم الخارجي.
وفي ظل هذه الأجواء، تبدو الحكومة اللبنانية برئاسة نواف سلام في سباق مع الزمن لمحاولة انتزاع “شبكة أمان” دولية تمنع تحويل التهديدات إلى واقع، فهل سقطت سيادة لبنان نهائيًا في فخّ التجاذبات الإقليمية ليصبح بمثابة “ورقة مقايضة” على طاولة الكبارِ؟ وكيف يمكن للدولة اللبنانية أن تحجز لنفسها مكانًا خارج دائرة النارِ، وما مدى قدرتها على المناورة، وأي ضمانات يمكن أن تنتزعها في ظلّ عجز دولي واضح؟
ماذا تريد إسرائيل؟
في المبدأ، تمثل التهديدات الإسرائيلية باستهداف المطار والمرافق الحيوية تحولاً جذرياً في استراتيجية الردع، حيث انتقل العدو من منطق استهداف “القوة العسكرية” إلى منطق ضرب “القدرة على الحياة”. ولعلّ تل أبيب تهدف من وراء هذه التسريبات إلى إرسال رسالة مفادها أن كلفة الانخراط اللبناني في الدفاع عن إيران لن تكون عسكريةً محصورةً في الجنوب، بل ستعني عملياً إطفاء آخر المصابيح في الدولة اللبنانية.
من الناحية السياسية، تسعى إسرائيل إلى شرعنة أي عدوان مستقبلي عبر “التحذير المسبق”، لتظهر أمام المجتمع الدولي بمظهر الطرف الذي أعطى فرصةً للدولة اللبنانية لتحييد نفسها. إلا أن القراءة الواقعية تشير إلى أن الهدف الحقيقي هو شلّ الحركة الاقتصادية واللوجستية اللبنانية استباقياً، لمنع استخدام هذه المرافق في أي مجهود حربي طويل الأمد، وه ما يجعل لبنان في حالة استنزافٍ مستمر، يخدم الأجندة الإسرائيلية في إضعاف الجبهة الداخلية وتفكيك ترابطها.
من جهة أخرى، يبدو أن الرسالة الإسرائيلية موجهة أيضًا إلى واشنطن التي تحاول ضبط إيقاع المواجهة، حيث تلوح تل أبيب بقدرتها على تخريب أي هدوء إقليمي قد تسعى إليه الإدارة الأميركية عبر مفاوضات جنيف. وبالتالي، يرى العارفون أن تحويل لبنان إلى “رهينة” عسكرية هو أداة ضغط إسرائيلية لمنع تقديم تنازلات لإيران، مما يجعل المصالح اللبنانية في أدنى سلم الأولويات الدولية.
جنيف والميدان..
هكذا إذًا، يحضر لبنان على طاولات التفاوض في جنيف كبندٍ غير معلنٍ في الحسابات الأميركية والإيرانية على حد سواء؛ فطهران تعتبر أن قوة الردع المنطلقة من لبنان هي إحدى أوراق قوتها الأساسية لمنع الضربة العسكرية أو تخفيف وطأتها. وفي المقابل، تضغط واشنطن وحلفاؤها لفك الارتباط بين الجبهات، معتبرين أن تحييد لبنان هو المدخل الأساسي لمحاصرة النفوذ الإيراني.
على المقلب الآخر، تحاول الحكومة اللبنانية جاهدة تسويق فكرة تحييد لبنان، لكنها تفتقر إلى الأدوات التنفيذية لفرض هذا التوجه على الأرض، باعتبار أن مفاتيح الحرب والسلم لم تعد بالكامل في بيروت. فرئيس الحكومة والمؤسسات الأمنية يجدون أنفسهم في دور “المتلقي” للتهديدات والضمانات، دون امتلاك القدرة على فرض مسار سياسي مستقل عن التجاذب الإقليمي.
علاوة على ذلك، فإنّ الموقف الداخلي اللبناني يبدو مشلولاً أمام هول الاحتمالات؛ فبينما يصر حزب الله على كونه جزءاً من منظومة ردع إقليمية تحمي لبنان وإيران معاً، ترى قوى سياسية أخرى أنّ ربط مصير البلاد بمسار المفاوضات النووية هو مغامرة غير محسوبة العواقب. هذا الانقسام يضعف الموقف التفاوضي للدولة اللبنانية أمام المجتمع الدولي، حيث تظهر بيروت كعاصمة عاجزة عن ضبط إيقاع السلم والحرب على أراضيها.
يقف لبنان اليوم في عين العاصفة، بين مطرقة التهديد الإسرائيلي الجدي بتدمير مرافق الدولة، وسندان الالتزامات الإقليمية التي تجعله جزءاً من الرد الإيراني. وفي ظل صمت العواصم القرار وانشغال العالم بتفاصيل المفاوضات النووية، يبقى على اللبنانيين أن يدركوا أن حماية المطار والبنية التحتية هي شرط بقاء الجميع. فالتاريخ لن يرحم من يفرّط بما تبقى من هيكل الدولة في لحظة جنونٍ إقليميٍّ، ولعل الأيام المقبلة ستحمل الجواب الحاسم: هل ينجو لبنان بـ”معجزة دبلوماسية”، أم أنه سيدفع ثمن صراع الكبار من لحمه الحي وشرايينه الحيوية؟












اترك ردك