بين مهلة ترامب وتصعيد الميدان.. هل بات لبنان ساحة انتظار لقرار أكبر من حدوده؟

قبل ساعات من انتهاء المهلة التي حدّدها الرئيس الأميركي دونالد ترامب لطهران، وعلى وقع التكهنات بشأن “سيناريوهات” ما بعدها، يعيش لبنان حالة من الترقب الحذر، وهو يدرك أن لكل سيناريو تبعاته على الجبهة. ومع ذلك، لا أحد يستطيع أن يضمن أن إسرائيل، التي تدفع باتجاه تصعيد كبير مع إيران، ستكون في وارد وقف إطلاق النار في لبنان حتى لو تمّ التوصل إلى اتفاق بين الأميركيين والإيرانيين في الوقت الحالي.
 
ففي وقت أعلن فيه ترامب أن المهلة التي تنتهي مساء الثلاثاء “نهائية”، خلافًا للمرات السابقة التي كان يمدّد فيها المهل، لا تزال إيران على موقفها الرافض لأي وقف مؤقت لإطلاق النار، مع تمسكها بإنهاء دائم للحرب، بالتزامن مع تكثيف الاستهدافات ضدها وارتفاع منسوب التهديدات الأميركية والإسرائيلية. وقد بلغ هذا التصعيد حدّ فتح الباب أمام كل السيناريوهات في سياق المواجهة المفتوحة مع إيران، التي تبدو على مسافة قصيرة من الانفراج أو الانفجار.
 
ولا يمكن فصل الجبهة اللبنانية عن هذا السياق الإقليمي الأوسع. فلبنان، الذي يطوي شهره الثاني في أتون الحرب، يرزح تحت وطأة تصعيد إسرائيلي مستمر ونزوح هائل، في ظل غياب أي أفق للحل، بينما تتعامل تل أبيب مع الجنوب بوصفه جزءًا من معادلة أمنية إقليمية أكبر. وهذا ما يجعل أي تبدّل في مسار التفاوض الأميركي-الإيراني مرشحًا لأن ينعكس فورًا على الإيقاع اللبناني، تصعيدًا أو تهدئة. فهل أصبح لبنان فعليًا ساحة انتظار لقرارات تُصاغ خارج بيروت؟
 
لبنان بين مهلة الخارج وضغط الداخل
 
تشير المعطيات الراهنة إلى أن طهران لا تبحث عن تسوية مؤقتة تطفئ النيران لبرهة، بل تسعى إلى صفقة أوسع تنهي الحرب بضمانات سياسية وأمنية واقتصادية تتخطى الميدان. وهذا يعني أن مهلة الثلاثاء لا تخص إيران وحدها، بل تشمل أيضًا مصير الساحات المرتبطة بها، وفي مقدمتها لبنان، الذي تقول بعض التسريبات إنه سيكون جزءًا أساسيًا من أي اتفاق محتمل لوقف إطلاق النار.
 
بهذا المعنى، يبدو أن التصعيد في لبنان تحوّل إلى أداة ضغط متبادلة بين الجانبين. فإسرائيل ترفع وتيرة استهدافاتها مع اقتراب انتهاء المهلة، وإيران تشدد شروطها برفض أنصاف الحلول، بينما يبقى لبنان معلقًا بين نار قائمة وتسوية لم تنضج بعد. وربما لهذا السبب تحديدًا، باتت الجبهة اللبنانية تُقرأ من زاوية كونها ورقة ضغط في اللحظات الأخيرة، ولا سيما إذا قررت طهران استخدامها ضمن حساباتها التفاوضية.
 
ولذلك، فإن أخطر ما في اللحظة الحالية ليس فقط احتمال التصعيد، بل غياب قدرة لبنان على التأثير في توقيته أو منسوبه. فبيروت ليست الطرف الذي يحدد متى تُفتح نافذة التهدئة ومتى تُقفل، بل تبدو أقرب إلى طرف ينتظر نتيجة اختبار كبير يُجرى فوق رأسه. وهذا ما يجعل الداخل اللبناني يعيش حالة مزدوجة: حرب مفتوحة على الأرض، وترقب مفتوح لقرار خارجي قد يخففها أو يدفعها إلى مستوى أخطر.
 
ماذا بعد انقضاء المهلة؟
 
إذا انتهت مهلة الثلاثاء من دون تحقيق اختراق، فإن الاحتمال الأرجح سيكون أكثر من تصعيد ضد إيران، بما يترجم اتساعًا تلقائيًا في الضغط على الساحات المتصلة بها. وفي هذه الحالة، لن يكون لبنان جبهة ثانوية، إذ قد يُطلب منه تحمل أعباء مواجهة أوسع بصفته ساحة اشتباك غير مباشر بين طهران وخصومها. وهذا بالضبط ما يجعل المهلة الأميركية حدثًا لبنانيًا بقدر ما هي حدث إيراني، في ظلّ العدوان القائم على لبنان أساسًا.
 
أما إذا حصل اختراق ما في اللحظات الأخيرة، فإن السؤال اللبناني سيتجاوز شكل الاتفاق ومضمونه، ليتركّز حول ما إذا كان يشمل الجبهة اللبنانية أصلًا، أو يتركها معلقة في منطقة رمادية بين التهدئة الإقليمية والتصعيد الموضعي. وهنا تبرز أهمية الإشارات الإيرانية السابقة إلى ربط أي وقف للنار بلبنان أيضًا، لأن أي اتفاق لا يطال هذه الجبهة قد يخفف مستوى الانفجار الكبير، من دون أن يطفئ النار بالكامل، وذلك من خلال البوابة اللبنانية تحديدًا.
 
في الحالتين، يتأكد أن لبنان لم يعد يملك رفاهية النظر إلى الحرب بوصفها شأنًا حدوديًا صرفًا. فالجبهة هنا ترتفع وتنخفض على إيقاع تفاوض خارجي، وتُستثمر ضمن ميزان إقليمي، وتبقى مفتوحة على احتمالات لا يصنعها الداخل اللبناني وحده. وهذا ما يفسر هشاشة اللحظة الراهنة، فالبلد يقف على حافة قرار ليس هو من يقرره، لكنه للمفارقة سيكون من بين الأطراف التي تدفع ثمنه الأكبر، مهما كانت النتائج ومهما كان الاتجاه الذي ستسلكه الساعات المقبلة.
 
في المحصلة، توحي المعطيات والتسريبات بأن “مهلة ترامب” ليست تفصيلًا تفاوضيًا يرتبط حصرًا بالجبهة الإيرانية، حتى إنها تبدو بالنسبة إلى كثيرين في الداخل اللبناني بمثابة ساعة إقليمية لا بد أن تنعكس شظاياها مباشرة على لبنان. وإذا كانت الجبهة اللبنانية دخلت مرحلة “الانتظار القاتل”، حيث لا تهدئة تُصنع محليًا ولا حرب تُدار بمنطق لبناني خالص، فإن السؤال الذي يفرض نفسه يبقى: إلى أي حد بات لبنان ساحة انتظار لقرار أكبر من حدوده؟