تحولّ كبير.. ماذا تحتاج سوريا الآن؟

نشر موقع “arabnews” تقريراً جديداً تحدث فيه عن التحويل الاستراتيجي في سوريا، وذلك لناحية استعادة الأراضي وإعادة بناء سلطة الدولة.

التقرير الذي ترجمهُ “لبنان24” يقول إنَّ المشهد السوري شهد تحولاً هادئاً لكنه عميق، لا يدركه إلا قلة خارج المنطقة، ولكنه قد يُحدد ملامح الجغرافيا السياسية للبلاد واستقرارها المستقبلي لسنوات مقبلة.
أضاف: “في الأسابيع الأخيرة، سيطرت القوات الحكومية السورية على منشآت عسكرية رئيسية كانت خاضعة لسيطرة قوى أجنبية لفترة طويلة، وعلى رأسها الولايات المتحدة، مما يُمثل ترسيخاً مهما لسلطة الدولة وخطوة نحو استعادة وحدة الأراضي السورية بعد أكثر من عقد من التشرذم والصراع”.

وتابع: “في منتصف شباط 2026، سيطر الجيش السوري على قاعدة التنف العسكرية، وهي موقع استراتيجي قرب ملتقى الحدود السورية العراقية والأردنية، والتي كانت تستضيف قوات أميركية منذ عام 2014 في إطار الحملة ضد داعش. وفي غضون أيام، استعادت القوات الحكومية أيضاً قاعدة الشدادي في محافظة الحسكة شمال شرق البلاد، عقب انسحاب منظم للقوات الأميركية. وتأتي هذه التطورات في إطار قرار أميركي أوسع نطاقاً بتقليص وجودها العسكري في سوريا، وتوحيد القوات المتبقية في مواقع محدودة، مع مواصلة العمليات الجوية لمكافحة داعش”.

وأكمل: “بالنسبة لدمشق وأنصارها، تتجاوز هذه التحولات كونها مجرد لفتات رمزية؛ فهي تمثل استعادة سيادة الدولة على أراضٍ استراتيجية طالما كانت مُؤجرة لجيوش أجنبية وحلفائها. وبعد ما يقرب من عقد من التدخلات الخارجية – سواء من جانب الولايات المتحدة وقوات التحالف في الشرق، أو من جانب روسيا وإيران دعماً للحكومة المركزية – ربما تكون سوريا أخيراً على أعتاب مرحلة جديدة تُمكّنها من إعادة بسط سيطرتها المؤسسية على معظم أراضيها. ويكتسب هذا الأمر أهمية خاصة بالنظر إلى التشرذم الذي شهدته الدولة سابقاً، حيث بسطت فصائل مختلفة وجهات فاعلة أجنبية نفوذها على امتداد أراضيها”.

واستكمل: “يُسلّط الاستيلاء على التنف والشدادي الضوء على جانبٍ بالغ الأهمية من المشهد السياسي السوري الناشئ ويرتبط بالعلاقات بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية بقيادة الأكراد. مع هذا، فقد تراجع الدعم الأميركي طويل الأمد لقوات سوريا الديمقراطية خلال العام الماضي وصولاً إلى اتفاقٍ تم بموجبه دمج هذه القوات مع الجيش السوري، وهي خطوة قلّصت فعلياً سيطرة الأكراد على أجزاء من شرق سوريا، وسمحت للقوات الحكومية بتوسيع وجودها هناك. وجاء انتقال السلطة في الشدادي عقب وقف إطلاق النار واتفاق سياسي يهدف إلى تخفيف حدة التوتر ودمج العناصر الكردية مع الهيكل العسكري للدولة المركزية”.

وتابع: “تمثل هذه التحولات مجتمعةً علامةً فارقةً في نضال سوريا الطويل من أجل إعادة التوحيد. إن تسليم القواعد التي كانت تحت القيادة الأميركية ليس مجرد تغيير في الرايات، بل هو إشارة إلى تحول من سلطة منقسمة إلى حكم مركزي، ومن مناطق متنازع عليها إلى مسؤولية دولة معترف بها. وهذا الأمر لا يهم دمشق فحسب، بل يهم أيضاً الدول المجاورة والاستقرار الإقليمي الأوسع. لقد كان النمط السائد منذ زمن طويل المتمثل في وجود جيوب عسكرية أجنبية، وتنافس الجماعات المحلية، وانقسام السيطرة، محركاً رئيسياً لانعدام الأمن، مما أعاق إعادة الإعمار، وعقد عودة اللاجئين، وخلق بيئة خصبة لبقايا المتطرفين لاستغلال الفراغات السياسية”.

واستكمل: “أما التداعيات الداخلية فهي لا تقل أهمية. فعلى مدى سنوات، كافحت الدولة السورية لفرض سيطرتها على شمال شرق البلاد، حيث كانت قوات سوريا الديمقراطية تدير مساحات شاسعة بدعم أميركي. كذلك، فإنَّ نقل القواعد العسكرية ودمج وحدات قوات سوريا الديمقراطية في الهياكل الوطنية لا يمحو التوترات القائمة، ولكنه يُضعف منطق الحكم الموازي ويُقلل من تشتت السلطة الذي كان يُعيق في السابق أداء وظائف الدولة بفعالية في تلك المناطق”.

وتابع: “لا يعني هذا أن سوريا تدخل عهداً جديداً من الوحدة التامة، فالسلام لا يزال هشاً، ولا يزال تنظيم داعش نشطاً في بعض المناطق، كما تُظهر الغارات الجوية الأخيرة للتحالف. أيضاً، لا تزال قضية التوافق السياسي الأوسع نطاقاً – سواء من خلال إصلاح دستوري، أو ترتيبات حقيقية لتقاسم السلطة، أو عمليات مصالحة وطنية جادة – تُلقي بظلالها على المشهد”.

وأضاف: “ومع ذلك، فإن إعادة التموضع الأخيرة تُتيح فرصةً مهمة، ربما لم تُقدّر حق قدرها. فمن خلال إعادة المواقع الاستراتيجية إلى سيطرة دمشق، تُعزز سوريا الفرضية الأساسية للدولة الحديثة وهي السيطرة على أراضيها. هذه الحقيقة الأساسية تُمهد الطريق لمجموعة من المبادرات السياسية والاقتصادية التي كانت مستحيلة سابقاً في المناطق المتنازع عليها. فمن الأسهل تنسيق أمن الحدود، والتخطيط لإعادة الإعمار، واستقبال اللاجئين العائدين عندما تُدير الحكومة فعلياً البنية التحتية الحيوية والأراضي”.

ووجد التقرير أن “ما تحتاجه سوريا الآن ليس مجرد سيطرة رمزية على الأرض، بل هياكل حوكمة مستدامة تجعل هذه السيطرة ذات معنى، وهذا يعني إعادة تنشيط المؤسسات المدنية، وتقديم الخدمات للسكان الذين طال إهمالهم، وتوفير عمليات سياسية شاملة تمنع ظهور انقسامات جديدة”، وأضاف: “هذا يعني أيضاً استثمار السيطرة المستعادة على الأراضي في رصيد دبلوماسي قادر على جذب الدعم لإعادة الإعمار وتحقيق الاستقرار الاجتماعي”.

وتابع: “إن استعادة القواعد التي كانت تحت سيطرة قوى أجنبية لا تعني نهاية الصراع، بل هي بداية مرحلة جديدة، تستطيع فيها سوريا، ولأول مرة منذ سنوات، أن تحدد أولوياتها بوضوح، وتدير أراضيها، وتتفاعل مع جيرانها وشركائها وفق شروطها”.

ورأى التقرير أنَّ “تحقيق الاستقرار الدائم لهذه المرحلة الانتقالية سيعتمد ليس فقط على المكاسب العسكرية، بل أيضاً على الإرادة السياسية لتحويل السيادة على الأراضي إلى وحدة وطنية، وانتعاش اقتصادي، وعقد اجتماعي جديد لجميع السوريين”.

وختم: “قد لا يزال تحقيق الوحدة والاستقرار في سوريا بعيد المنال، لكن التطورات الأخيرة نقلته من حيز التطلعات إلى واقع ملموس. بالنسبة لبلد مزقته الحرب والانقسام، يُعدّ هذا تقدماً متواضعاً ولكنه استراتيجي، لا يُمكن المبالغة في أهميته”.