تقرير لـ”National Interest”: كيف تتأثر سوريا بحرب غزة؟

ذكر موقع “The National Interest” الأميركي أن “الصراعات في كل أنحاء غرب آسيا بدأت تتوسع وسط الاهتمام العالمي بغزة والأراضي الفلسطينية المحتلة، وإحدى الضحايا الرئيسيين للحرب المستمرة بين إسرائيل وحماس، وإن كانت غير معترف بها إلى حد كبير، هي قدرة العالم على التخفيف من حدة الصراعات الأخرى الملحة ومعالجتها. وتقدم سوريا مثالاً يجسد هذه الديناميكية، وتثبت أن مجرد “تجميد” الصراعات أو السماح لها بالتفاقم يمكن أن تكون له آثار كارثية على الطريق، خاصة عندما تستخدم الجهات الفاعلة الخبيثة عدم الاستقرار لتعزيز مصالحها”.

وبحسب الموقع، “أعرب العديد من الخبراء والمسؤولين عن قلقهم بشأن توسيع نطاق الحرب بين إسرائيل وحماس، وحددوا المخاطر الحقيقية والمبررة، خاصة عند ملاحظة التصاعد الكبير في حوادث العنف في كل أنحاء سوريا منذ 7 تشرين الأول. والواقع أن أصحاب المصلحة الرئيسيين المنخرطين في الحرب السورية المستمرة منذ ثلاثة عشر عاماً اتخذوا خطوات مهمة لتعزيز مصالحهم في سوريا بعيداً عن ظلال أعمال الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل في غزة واحتلالها المستمر للأراضي الفلسطينية”.
وتابع الموقع، “خير مثال على ذلك تصرفات تركيا في شمال شرق سوريا. فقد التزمت أنقرة بحملة جوية جديدة وشاملة ضد قوات سوريا الديمقراطية المدعومة من الولايات المتحدة والإدارة الذاتية الديمقراطية لشمال وشرق سوريا في الأشهر الأخيرة. ويهدد الرئيس رجب طيب أردوغان الآن بعملية برية أخرى في شمال وشرق سوريا، بغض النظر عن “التهديدات” التي منعت العمليات السابقة، وهو يشير إلى وجود القوات الروسية والأميركية في شمال غرب سوريا وإقليم شمال شرق سوريا، على التوالي، والذي أدى وجودها إلى منع أي تقدم من هذا القبيل نظراً للمخاطر المرتبطة بها”.
وأضاف الموقع، “تعمل جهات فاعلة أخرى أيضًا لتعزيز مصالحها في سوريا. وبحسب ما ورد، حققت إيران و”محور المقاومة” التابع لها تقدمًا كبيرًا في كل أنحاء البلاد منذ 7 تشرين الأول، حيث تشير مصادر محلية إلى أن طهران قامت بنشاط بتوسيع عدد المنشآت العسكرية داخل البلاد في الأشهر الأخيرة من خلال “الحرس الثوري الإيراني”. في موازاة ذلك، هاجمت المجموعات المدعومة من إيران المنشآت العسكرية الأميركية حوالي 180 مرة في سوريا والعراق والأردن منذ 7 تشرين الأول تضامناً مع فلسطين. وفي المقابل، تواصل واشنطن الرد على هذه الهجمات بالقوة العسكرية، إلى حد كبير ضد نفس المجموعات في كل من سوريا والعراق”.
وبحسب الموقع، “من جانبه، زاد الأردن من ضرباته على شبكات تهريب الكبتاغون في جنوب سوريا وسط تزايد عمليات التهريب عبر الحدود، والتي يدعمها نظام الرئيس السوري بشار الأسد والمجموعات المدعومة من إيران. وتقصف إسرائيل بانتظام محور المقاومة في كل أنحاء سوريا، بما في ذلك البنية التحتية المدنية مثل مطاري حلب ودمشق، في ضوء التقارير عن تهريب أسلحة الحرس الثوري الإيراني في هذه المواقع. كما وتواصل قوات النظام شن ضربات غير مسبوقة على قوات المعارضة المتمركزة في شمال غرب سوريا”.
وتابع الموقع، “يدرك كل من هذه الجهات الفاعلة الواقع السوري في إطار الجغرافيا السياسية الإقليمية الأوسع، حتى لو ادعوا أنهم يرفضون توسيع الحرب بين إسرائيل وحماس. وتدعي بعض الجهات الفاعلة، وتحديداً إيران، التضامن مع فلسطين لتعزيز مصالحها، وتضرب القوات الأميركية دون تكلفة تذكر. وتعزز هذه الإجراءات وغيرها من شعبية محور المقاومة في كل أنحاء المنطقة، كما تشهد على ذلك هجمات حركة الحوثي المتمركزة في اليمن على الشحن الدولي في البحر الأحمر. ويرفض العديد من صناع القرار والخبراء الغربيين بشكل غير صحيح التأكيدات على أن هذه الأعمال مرتبطة بالحرب بين إسرائيل وحماس. ومع ذلك، فإن المنطق الحقيقي وراء الهجمات لا معنى له إلى حد كبير مقارنة بالهدف المقصود الذي تسعى هذه الجهات الفاعلة إلى تحقيقه من خلال أفعالها وخطاباتها. في الواقع، في حالة إيران، يعد التضامن الفلسطيني وسيلة لتقويض منافسي طهران في غرب آسيا، على أمل إجبار الولايات المتحدة على الانسحاب من المنطقة”.
وأضاف الموقع، “بالتالي، تظل سوريا عنصرًا أساسيًا في المنافسة الإقليمية، لكنها لا تزال تحظى بأولوية منخفضة في ما يتعلق بالقضايا الدولية والإقليمية الأخرى. وعلى الرغم من أن ما يقرب من 500 ألف شخص لقوا حتفهم في الحرب، إلا أن التباطؤ التدريجي في الأعمال العدائية على مر السنين ونشوء صراعات جديدة في كل أنحاء العالم أدى في وقت لاحق إلى تحويل تركيز العواصم العالمية. ومما يثير القلق بنفس القدر أن الاستراتيجية الافتراضية في كل من هذه الصراعات تنطوي بشكل متزايد على أدوات سياسية صارمة وجهود “لتجميد” الصراع. في الواقع، بينما يواجه العالم حالة من عدم الاستقرار المتزايد بسبب الدرجة العالية من الصراعات الطويلة الأمد، يختار زعماء العالم حلولاً سريعة لمرة واحدة تفشل في تحقيق السلام أو تهدئة الوضع. وعلى هذا النحو، أصبحت إدارة الصراعات هي الاسم السائد في اللعبة، وهو ما كان على حساب الاستقرار الحقيقي المستدام في غرب آسيا وأجزاء أخرى من العالم”.
وبحسب الموقع، “يعود هذا الواقع إلى الافتقار إلى الشجاعة السياسية، وليس إلى الخيارات السياسية البديلة. والواقع أن زعماء العالم يختارون السماح باستمرار الوضع الراهن المجمد في سوريا، ملتزمين بمواقف سياسية صارمة ذات أهداف غامضة. ويجسد الوجود العسكري الأميركي في شمال وشرق سوريا هذا الواقع، حيث أنه من غير الواضح سبب بقاء القوات الأميركية في البلاد بعد هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية. في الحقيقة، تفتقر واشنطن إلى سياسة حقيقية بشأن سوريا وتدعي أن قواتها ضرورية لمنع عودة تنظيم داعش في حين أن السبب الحقيقي لنشر القوات له صلات قوية بـ “الحروب الأبدية” التي أعقبت أحداث 11 أيلول، وتحديداً الحد من النفوذ الإيراني وكسر “الهلال الشيعي” الموجود بالفعل من لبنان إلى إيران”.
ورأى الموقع أن “الواقع في سوريا اليوم هو صراع لا ينتهي أبدًا، حيث تعمل الجهات الفاعلة الدولية على تعزيز مصالحها الإقليمية من خلال الوسائل العسكرية التصعيدية على حساب حل الصراع، وهذا يؤدي إلى إطالة أمد الحرب وسط العديد من القضايا الإقليمية والعالمية الجديدة، مما يجهد قدرات الدول المعنية الرئيسية على معالجة أي صراع. إذاً، يتعين على زعماء العالم ذوي النفوذ أن يتخذوا قرارات صعبة تركز على الناس وتكون عملية إذا كانوا يأملون في تحسين الوضع الجيوسياسي والتخفيف من الانزلاق المستمر نحو عدم الاستقرار الإقليمي والعالمي والمنافسة على نطاق أوسع”.