وبحسب شبكة “CNBC”، أعلن وارش، بعد أول اجتماع له على رأس المجلس، تشكيل 5 فرق عمل ستتولى مراجعة ملفات أساسية في عمل الاحتياطي الفدرالي، من الاتصالات والبيانات الاقتصادية، إلى التضخم، وتأثير التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وحجم الميزانية العمومية البالغة 6.7 تريليون دولار.
وتُعد هذه الخطوة واحدة من أوسع عمليات المراجعة التي يطلقها رئيس للاحتياطي الفدرالي في التاريخ الحديث، إذ لا تقتصر على أداة واحدة أو ملف محدد، بل تشمل تقريباً كل ما يدخل في صناعة السياسة النقدية الحديثة.
وقال وارش إن فرق العمل ستبدأ من “المبادئ الأساسية”، وستطرح أسئلة جوهرية حول الممارسات الحالية، وتدرس البدائل، قبل أن ترفع توصياتها إلى صناع القرار داخل المجلس.
وأضاف أن الهدف هو الوصول إلى بنك مركزي “واضح الرؤية بشأن مهمته، مناسب للغرض، ويركز على المستقبل”.
واللافت أن لهجة وارش بدت مختلفة عمّا كانت عليه قبل توليه المنصب. فالرجل الذي دعا سابقاً إلى “تغيير جذري” داخل الفدرالي، وتحدث عن “نقص في المصداقية” لدى المسؤولين الحاليين، اختار هذه المرة خطاباً أكثر هدوءاً، معرباً عن “إعجابه الشديد” بما شاهده في أسابيعه الأولى داخل المؤسسة.
ويرى مراقبون أن هذا التحول في الأسلوب لا يعني تراجعاً عن الإصلاح، بل محاولة لتمرير تغييرات كبيرة بأدوات مؤسساتية. وقال سكوت كليمنز، كبير استراتيجيي الاستثمار في “براون براذرز هاريمان”، إن ما يجري هو “تغيير جذري، لكن بأسلوب سلس ولطيف”.
وبحسب كليمنز، فإن فرق العمل ستراجع، وربما تعيد تعديل، جوانب واسعة من عمل الاحتياطي الفدرالي، من طريقة تواصله مع الأسواق، إلى مصادر البيانات التي يعتمد عليها، مروراً بإطار التضخم والميزانية العمومية.
أما نائب رئيس البنك المركزي السابق روجر فيرغسون، فرأى أن من يعرف طريقة عمل الفدرالي يدرك أن التغيير غالباً ما يتم عبر بناء توافق داخلي، وهو ما يحاول وارش فعله من خلال فرق العمل.
ويبدو أن ملف الاتصالات سيكون من أول المجالات التي ستظهر فيها بصمة وارش. فقد جاء بيان الاجتماع الأخير أكثر اختصاراً من البيانات السابقة، وتجنب كثيراً من العبارات المتكررة التي اعتاد الفدرالي استخدامها، وبدأ مباشرة بقرار سعر الفائدة، خلافاً للنمط الذي ساد منذ الأزمة المالية عام 2009.
وقالت لوريتا ميستر، الرئيسة السابقة لبنك الاحتياطي الفدرالي في كليفلاند، إن حذف العبارات النمطية كان خطوة مفيدة، معتبرة أن الفدرالي يعاني منذ سنوات من صعوبة التخلص من أي عبارة يضيفها إلى بياناته، وكأنها “مشكلة فندق كاليفورنيا”، حيث يسهل الدخول ويصعب الخروج.
ومن بين الملفات المطروحة أيضاً احتمال إعادة النظر في توقعات أسعار الفائدة المعروفة بـ”المخطط النقطي”، إضافة إلى شكل المؤتمرات الصحافية التي يعقدها رئيس الفدرالي منذ نحو 15 عاماً.
أما الميزانية العمومية، فهي ملف حساس بالنسبة إلى وارش، الذي انتقد سابقاً تضخم حيازة الفدرالي للسندات بعد الأزمة المالية عام 2008 وجائحة كورونا في 2020. وستبحث فرق العمل حجم هذه الميزانية وتركيبتها والمسار المحتمل لتقليصها.
وسيخضع ملف التضخم بدوره لمراجعة دقيقة، خصوصاً بعدما تجاوز الفدرالي هدفه البالغ 2% لسنوات، وبعد الجدل الذي رافق وصف موجة التضخم في 2021 و2022 بأنها “مؤقتة”.
كما ستبحث فرق العمل في كيفية استخدام البيانات الاقتصادية، وفي ما إذا كانت الأدوات الحالية كافية لفهم اقتصاد يتغير بسرعة بفعل الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحديثة.
ووصف ريك ريدر، رئيس قسم الدخل الثابت في “بلاك روك”، نهج وارش بأنه قد يشكل “عهداً جديداً للسياسة النقدية في الولايات المتحدة”، معتبراً أن بناء الثقة بأهداف الفدرالي يحتاج إلى دراسة متأنية للملفات المعقدة التي قد تؤثر على الاقتصاد في السنوات المقبلة.
لكن نجاح هذه المراجعة سيعتمد، وفق ميستر، على قدرة الفدرالي على شرح ما ينظر إليه وما العوامل التي ستؤثر في قراراته المقبلة. فالتواصل الجيد لا يقوم على عبارة “ثق بنا”، بل على توضيح طريقة التفكير التي تقود السياسة النقدية.
بهذا المعنى، لا يبدو أن وارش يكتفي بتعديل لغة الفدرالي، بل يحاول إعادة طرح سؤال أوسع: كيف يجب أن يعمل البنك المركزي الأميركي في اقتصاد أكثر تعقيداً، وأسواق أكثر حساسية، وعالم يتغير بسرعة؟












اترك ردك