فبعد صدور القرارات الحكومية، ارتفعت وتيرة الدعوات إلى التظاهر وقطع الطرقات، وتجاوز بعضها السقف المطلبي إلى طرح شعارات سياسية كبيرة، وصلت إلى حد الدعوة لإسقاط الحكومة. هذا النوع من المسارات عادة ما يشكّل فرصة ذهبية للقوى السياسية المنظمة، القادرة على تحويل الغضب الشعبي إلى ورقة ضغط حقيقية في مواجهة السلطة التنفيذية. غير أن ما حصل هذه المرة كان مختلفًا تمامًا.
اللافت لم يكن فقط فشل الحراك في تحقيق اختراق فعلي، بل غياب أي محاولة جدية من “حزب الله” لاستثمار هذه اللحظة سياسيًا أو شعبيًا. ف”الحزب”، المعروف بقدرته التنظيمية وحضوره في الشارع، تعامل مع الدعوات وكأنها غير موجودة، ولم يواكبها لا بخطاب سياسي تصعيدي ولا بتحريك جمهوره أو حلفائه. بل على العكس، بدا حريصًا على إبقاء التحركات ضمن إطارها المطلبي الضيق، من دون السماح لها بالتحول إلى أزمة حكم.
هذا الموقف يكتسب أهمية إضافية إذا ما قورن بما كان يمكن أن يفعله” الحزب” في لحظة كهذه. فمن الناحية السياسية البحتة، كان يمتلك فرصة للإمساك بورقة ضغط قوية في وجه نواف سلام، سواء عبر تهديد استقرار ولايته الحكومية أو على الأقل إخضاعه لابتزاز سياسي واضح: تهدئة الشارع في مقابل تنازلات محددة داخل الحكومة أو في مسارها العام. لكن شيئًا من ذلك لم يحصل.
غياب ردّة الفعل لا يبدو تفصيلاً عابرًا، بل يعكس قرارًا سياسيًا محسوبًا. ف”الحزب” اختار عدم الدخول في مواجهة مفتوحة مع الحكومة في هذه المرحلة، وفضّل إرسال إشارة غير مباشرة مفادها أنه لا يسعى إلى إسقاطها ولا إلى إحراج رئيسها في الشارع، رغم امتلاكه الأدوات اللازمة لذلك.
وهي رسالة تصب عمليًا في خانة منح نواف سلام هامش أمان سياسي إضافي.
بهذا المعنى، يمكن اعتبار ما جرى سلفة سياسية حقيقية، لا تُمنح عادة بلا مقابل أو بلا حساب. صحيح أن الحراك لم يكن في أفضل حالاته، لكن تدخّل “حزب الله”كان كفيلًا بتغيير ميزان القوى في الشارع. امتناعه عن ذلك يعكس قراءة أعمق للمرحلة، وتقديرًا بأن كلفة التصعيد حاليًا تفوق مكاسبه، وأن إدارة الخلاف مع الحكومة ستبقى، في الوقت الراهن، تحت سقف مضبوط.
المصدر:
خاص لبنان24












اترك ردك