ردّ “حزب الله” على الاعتداءات الاسرائيلية يبقي قرارات الحكومة حبرًا على ورق؟

في أقلّ من أربع وعشرين ساعة، ولم يكن حبر القرارات الحكومية قد جفّ بعد حتى ردّت “المقاومة الإسلامية” على الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة، بعدما فتحت تل أبيب باب جهنم على لبنان ردّا على استهداف الداخل الإسرائيلية بصلية من الصواريخ. صحيح أن العدو لم يكن في حاجة إلى ذريعة لصب جام حقده على اللبنانيين، وبالأخصّ على بيئة “حزب الله”، التي أصبحت هدفًا مباشرًا لهذا العدوان الغاشم، سواء بقتل من تطالهم صواريخه الحاقدة، أو بتدمير المنازل في الضاحية الجنوبية لبيروت أو في الجنوب أو في البقاع، أو بتشريد مئات الآلف إلى المناطق التي لا تزال آمنة، لكن الصحيح أيضًا أن اطلاق هذه الصواريخ المحدودة العدد والفاعلية قد أعطت العدو ذريعة إضافية لتنفيذ ما كان يخطّط له من أهداف احتلالية، يبدو أن تنفيذها قد بدأ فعليًا.

 إن التجربة السابقة مع أي قرار بمستوى ما اتخذته الحكومة في جلسة ٥ آب لا توحي بكثير من الاطمئنان العملي بالنسبة إلى قرارات جلسة ٢ آذار، خصوصًا أن السلطة لا تملك الكثير من الادوات، التي تسمح لها بتنفيذ ما تم التوافق عليه لجهة إلزام “حزب الله” بتسليم سلاحه، بعدما حُظر عليه نشاطه العسكري والأمني. وما زاد من شكوك بعض المشككين، وبخاصة الجانب الأميركي، أن مجلس الوزراء لم يقرن قراراته المهمة، كموقف قوبل بترحيب سياسي واسع، بخطة تنفيذية تفصيلية بالنسبة إلى كيفية الانتقال من “موقف ورقي” إلى موقف عملي من غير أن تكون أي خطوة مرتقبة مرتبطة بما سبق أن ورد في خطّة الجيش في شمال نهر الليطاني.

وعلى رغم أن ما تضمنتّه القرارات الحكومية من منحىً سيادي ، وبالأخص لجهة حظر العمل العسكري والأمني على “حزب الله”، الذي تبنّى عملية إطلاق الصواريخ الستة من الجنوب في عمقه المتوسط في اتجاه الداخل الإسرائيلي، فإن ما ورد في حرفية هذه القرارات من تعابير اعتبرها البعض غير واضحة المعاني والأهداف، ومنها مثلًا، استخدام تعبير “الزامه بتسليم سلاحه إلى الدولة اللبنانية”، من دون أن يكون لدى أحد من أهل السلطة أدنى فكرة عن كيفية هذا “التسليم”، خصوصًا أن ما طلبته الحكومة من الأجهزة العسكرية والأمنية كافة اتخاذ الإجراءات الفورية تنفيذًا لما تم اتخاذه من قرارات لم يُقرن بخطّة مبرمجة وواضحة حول آلية التنفيذ. والدليل أن قرارات الحكومة هي مجرد حبر على ورق الردّ المتواصل من قِبل “حزب الله” على الاعتداءات الإسرائيلية.

وما قرأه بعض الأوساط السياسية في تصريح رئيس كتلة “الوفاء للمقاومة” النائب محمد رعد أعاده إلى تصريحات سابقة لأكثر من مسؤول في “حزب الله، وعلى رأسهم أمينه العام الشيخ نعيم قاسم، الذي وصف قرارات “حصرية السلاح” بأنها “خطيئة يجب التراجع عنها”. وهذا الأمر من شأنه أن يعزّز شكوك المشكّكين بالنسبة إلى آلية تنفيذ “إلزام “الحزب” بتسليم سلاحه”، خصوصًا أن التلويح بـ “حرب أهلية” لم يغب عن بعض التغريدات و”البوستات” على مواقع التواصل الاجتماعي من قِبل “الجيوش الالكترونية”، التي وصفت الحكومة بأوصاف لم توصف بها حكومة العدو. هذه المواقف تعكس تمسك “الحزب بخياراته”، لكنها في الوقت نفسه تضع الجميع أمام مسؤولية البحث عن صيغة تحمي الاستقرار وتراعي هواجس مختلف الأطراف.

ففي بلد كلبنان، تعلّم الناس أن يتعاملوا بحذر مع القرارات الكبرى، خصوصًا أن التجارب السابقة جعلت الشك ملازمًا لأي إعلان سياسي مهما بدا سياديًا وجريئًا. ومع ذلك، فإن ما صدر عن الحكومة في جلسة ٢ آذار، في رأي بعض المصادر الحكومية، لا يمكن التعامل معه بوصفه قرارًا عاديًا، بل هو محطة مفصلية تستحق التوقف عندها بهدوء ومسؤولية.

نظريًا، ومن حيث المبدأ فإن القرار بحظر العمل العسكري والأمني على “حزب الله” وإلزامه بتسليم سلاحه إلى الدولة اللبنانية يشكّل خطوة نوعية في اتجاه تثبيت حصرية القرار الأمني والعسكري بيد الدولة. 

صحيح أن الآلية التنفيذية لم تُعرض بتفاصيلها بعد، وصحيح ايضًا أن الطريق مليء بالتعقيدات الداخلية والإقليمية، لكن مجرد الانتقال من منطق التجاهل إلى منطق المعالجة المعلنة هو تحوّل في ذاته.

وفي اعتقاد هذه المصادر أن الواقعية تفرض الاعتراف بأن ملفًا بهذا الحجم لا يُحسم بقرار إداري، ولا يُترجم بين ليلة وضحاها. فالمسألة تتصل بتوازنات داخلية دقيقة، وبحسابات إقليمية متشابكة، وبمخاوف مشروعة لدى شرائح لبنانية متعددة. ومن هنا، فإن مقاربة هذا القرار يجب أن تقوم على التدرّج والحوار، لا على الصدام والمزايدة.

هنا تكمن أهمية منح القرار الحكومي فرصة. فالدولة لا تستعيد دورها بالقفز فوق الوقائع، بل ببناء مسار تراكمي يعزز الثقة ويُعيد الاعتبار إلى المؤسسات. وإذا كانت الحكومة قد اختارت أن تضع هذا الملف على الطاولة بشكل صريح، فإن الخطوة التالية يفترض أن تكون إطلاق نقاش وطني جدي تحت عنوان حماية السلم الأهلي.

فلبنان لا يحتمل مغامرات، لكنه في المقابل لا يحتمل الجمود. وبين الخوف من التصعيد والخشية من الفراغ، تبرز الحاجة إلى مسار عقلاني يوازن بين السيادة والاستقرار. قد لا تكون الطريق قصيرة، وقد لا تكون النتائج فورية، لكن كل مسار إصلاحي يبدأ بخطوة.

السؤال اليوم ليس ما إذا كان القرار سيبقى حبرًا على ورق، بل ما إذا كانت القوى السياسية مستعدة لتحويله إلى فرصة لبناء تفاهم جديد يعيد إلى الدولة دورها من دون كسر التوازن الداخلي.