رسالة إيرانية وصلت إلى العراق.. هذا ما فعله قاآني في بغداد

نشرت صحيفة “المونيتور” تقريراً جديداً تناول زيارة قائد “فيلق القدس” في الحرس الثوري الإيراني إسماعيل قاآني إلى بغداد، معتبرةً أنها تكشف عن معضلة متزايدة تواجهها طهران في التعامل مع الفصائل العراقية المتحالفة معها، في ظل مساعي الحكومة العراقية لحصر السلاح بيد الدولة.


وبحسب التقرير الذي ترجمهُ “لبنان24″، وصل قاآني إلى بغداد هذا الأسبوع في وقت تحاول فيه إيران الموازنة بين هدفين متعارضين: الحفاظ على أسلحة ونفوذ حلفائها في العراق، ومنع هؤلاء في الوقت نفسه من الدخول في مواجهة مباشرة مع الدولة العراقية.

ونقلت “المونيتور” عن موقع “شفق نيوز” العراقي، استناداً إلى مصدر مطلع، أن قاآني أبلغ قادة الفصائل الموالية لإيران بضرورة رفض تسليم أسلحتهم “في المرحلة الحالية”، لكنه دعاهم في المقابل إلى تجنب أي مواجهة مسلحة مع الحكومة العراقية، كما حثّ الفصائل والقوى السياسية المنضوية في “الإطار التنسيقي” على البحث عن تسوية سياسية للملف.

ورأت الصحيفة أن الرسالة المنسوبة إلى قاآني لا تعني رفضاً إيرانياً صريحاً لسلطة بغداد، بقدر ما تعكس محاولة من طهران لإدارة أزمة أصبحت أكثر تعقيداً منذ اندلاع الحرب الأميركية – الإسرائيلية – الإيرانية في شباط الماضي.

ويقول التقرير إنه على مدى سنوات، اعتمدت إيران على الفصائل العراقية المسلحة لتعزيز نفوذها الإقليمي وامتلاك أوراق ضغط في مواجهة الولايات المتحدة. إلا أن تنامي قوة هذه الجماعات جعل مهمة الحكومة العراقية في فرض احتكار الدولة للسلاح أكثر صعوبة، كما أن تحركات الفصائل ضد المصالح الأميركية أو أهداف إقليمية تزيد الضغوط على بغداد لضبط نشاطها.

وتصاعدت هذه الضغوط منذ الحرب، بعدما جعل رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي حصر السلاح بيد الدولة محوراً أساسياً في برنامج حكومته.

وحددت بغداد يوم 30 أيلول المقبل موعداً نهائياً لتسليم الأسلحة الموجودة خارج إطار الدولة، بالتزامن مع الموعد المقرر لانتهاء مهمة التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة في العراق.

وحذرت الحكومة من أن الأسلحة التي تبقى خارج مؤسسات الدولة بعد هذا التاريخ قد تصبح موضع إجراءات قانونية، في حين أوضحت واشنطن أنها تتوقع من بغداد التحرك ضد الجماعات المسلحة التي تهدد المصالح الأميركية، وربطت توسيع التعاون الأمني والاقتصادي مع العراق بإحراز تقدم في هذا الملف.

حدود السيطرة الإيرانية

وبحسب “المونيتور”، تشير تعليمات قاآني إلى أن إيران لا تريد بالضرورة أن يدخل حلفاؤها في اختبار عسكري مع الدولة العراقية، لأن أي مواجهة من هذا النوع قد تضع بغداد أمام خيار صريح بين الفصائل المدعومة من طهران وسلطة الدولة، بما قد يهدد أيضاً الشبكات السياسية التي مارست إيران نفوذها من خلالها.

وعليه، تبدو المقاربة الإيرانية أقرب إلى محاولة “شراء الوقت”: تحتفظ الفصائل بأسلحتها، وتتجنب بغداد مواجهة فورية معها، فيما تستمر المفاوضات السياسية بالتوازي مع مراقبة طهران لمسار العلاقات العراقية – الأميركية.

ويزيد وضع “الحشد الشعبي” تعقيد القضية، إذ إن العديد من الفصائل المتحالفة مع إيران تعمل ضمن هذه المظلة الأمنية المعترف بها رسمياً، والتي برز دورها بصورة كبيرة بعد صعود تنظيم “داعش” عام 2014، وقد سمح ذلك لحلفاء طهران بالقول إنهم جزء من المنظومة الأمنية العراقية، وليسوا مجرد شبكة ميليشيات تعمل خارج الدولة.

لكن توجه بغداد الحالي، وفق التقرير، يضع هذه المعادلة أمام اختبار جديد، إذ لم يعد السؤال مقتصراً على إمكان بقاء تلك الفصائل ضمن المؤسسة الأمنية، وإنما بات يتمحور حول الجهة التي تملك القرار النهائي بشأن أسلحتها وتحركاتها.

وفي هذا السياق، أفادت “شفق نيوز” بأن مسألة نقل الأسلحة إلى عهدة الدولة لم تُحسم بعد، ما يجعل مهلة 30 أيلول اختباراً لقدرة العراق على إعادة رسم التوازن بين مؤسساته الرسمية والشبكات السياسية المسلحة المتداخلة معها.

وأشار التقرير إلى أن الحرب جعلت هذا الاختبار أكثر إلحاحاً، بعدما كان العراق أساساً يحاول الحفاظ على توازن دقيق بين الولايات المتحدة وإيران. إلا أن المواجهة الإقليمية كشفت بصورة أوضح كلفة هذا الموقع، مع انخراط فصائل عراقية موالية لإيران بدرجات متفاوتة في الصراع، في وقت بقيت فيه القوات والمصالح الأميركية في العراق أهدافاً محتملة.

وبذلك، تواجه بغداد مفارقة تتمثل في أن الجماعات المسلحة التي تنظر إليها إيران باعتبارها أصولاً استراتيجية قد تتحول بالنسبة إلى العراق إلى مصدر لاستدراج ردود عسكرية خارجية، وتقويض سيادته وتعقيد علاقاته مع الولايات المتحدة والدول العربية المجاورة.

وفي هذا الإطار، التقى الزيدي الأسبوع الماضي رئيس الاستخبارات السعودية خالد الحميدان، وسط تصاعد التوتر بشأن الفصائل العراقية الموالية لإيران وهجمات نسبتها السعودية إلى جماعات موجودة في العراق. وخلال اللقاء، جدد رئيس الوزراء العراقي تأكيده أن أراضي بلاده لن تُستخدم لتنفيذ هجمات ضد دول أخرى.

وترى “المونيتور” أن الحكومة العراقية تمتلك دوافع قوية لاستعادة سيطرة الدولة على السلاح، فهي تحتاج إلى الاستقرار الأمني والاقتصادي، وجذب الاستثمارات الدولية والحفاظ على علاقات فاعلة مع واشنطن ودول الخليج، فضلاً عن تجنب تحول العراق إلى امتداد للمواجهة الإقليمية الإيرانية.

ولا يعني ذلك بالضرورة ابتعاد بغداد عن طهران، في ظل الروابط السياسية والاقتصادية والاجتماعية العميقة بين البلدين، إلا أن الحرب عززت الطرح القائل إن الحفاظ على هذه العلاقات لا يستوجب منح الفصائل المسلحة المتحالفة مع إيران استقلالية غير محدودة.

في المقابل، قد يكون الوصول إلى تسوية من هذا النوع صعباً بالنسبة إلى الفصائل نفسها، فقد رفضت جماعات بينها “كتائب حزب الله” و”كتائب سيد الشهداء” و”حركة النجباء” مبادرة الحكومة، فيما تتمسك بعض هذه الفصائل بعدم تسليم أسلحتها طالما بقيت القوات الأميركية في العراق أو طالما اعتبرت أن السيادة العراقية مهددة.

واعتبر التقرير أن مقاومة الفصائل لعملية نزع السلاح تكشف أيضاً حدود قدرة طهران على التحكم الكامل بحلفائها. فعلى الرغم من العلاقات العميقة التي بنتها إيران مع هذه الجماعات، فإن لكل منها مصالحها السياسية والتزاماتها العقائدية وقواعدها الخاصة.

ومن هنا، قد تكون دعوة قاآني إلى عدم مواجهة الدولة العراقية ذات دلالة لا تقل أهمية عن موقفه الرافض لتسليم السلاح في المرحلة الحالية.

وخلصت “المونيتور” إلى أن إيران تحاول تفادي نتيجتين سلبيتين في الوقت نفسه: خسارة الشبكة المسلحة التي شكّلت على مدى سنوات إحدى الركائز الأساسية لنفوذها في العراق، أو السماح لهذه الشبكة بإشعال صراع داخلي عراقي يمكن أن يؤدي إلى ضغوط أميركية وإقليمية أكبر على طهران وحلفائها.

ويطرح ذلك سؤالاً أوسع بشأن قدرة إيران على الاستمرار في ممارسة نفوذها داخل العراق من دون الاعتماد على المستوى نفسه من الاستقلالية المسلحة التي تمتعت بها الفصائل خلال السنوات الماضية.

وبحسب التقرير، قد تدفع بيئة ما بعد الحرب إيران إلى القبول بصيغة نفوذ أكثر تقييداً، تقوم على التحالفات السياسية ومؤسسات الدولة والدمج الانتقائي لبعض الفصائل، بدلاً من استمرار منظومة أمنية موازية تتمتع بحرية واسعة في الحركة والقرار.

وقد تمثل هذه المعادلة فرصة لبغداد لتعزيز سلطة الدولة، كما يمكن أن توفر لواشنطن مساراً لتقليص التهديد الأمني الذي تمثله الفصائل المتحالفة مع إيران من دون الدخول في مواجهة مباشرة معها.

أما بالنسبة إلى طهران، فإن مثل هذا التحول قد يعني تراجعاً تدريجياً في قدرتها على تجاوز سلطة الدولة العراقية والتأثير في عملية صنع القرار داخل بغداد.