زيارة نواف سلام إلى الجنوب: إعلان نيات سياسي لا خطة قابلة للتنفيذ

جاءت زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى جنوب لبنان خلال عطلة نهاية الأسبوع لافتة في الشكل والمضمون، فهي جاءت في توقيت أمني وسياسي حسّاس، تزامن مع استمرار الخروقات الإسرائيلية، وتعقيدات تثبيت اتفاق وقف إطلاق النار، وازدياد الضغوط الدولية المرتبطة بالحدود الجنوبية، بل إنّها لم تكد تنتهي، حتى سجّل خرق إسرائيلي قد يكون “الأخطر” من خلال التوغل داخل الأراضي اللبنانية واختطاف مسؤول في الجماعة الإسلامية.
 
وعليه، لم تكن الجولة حدثًا منفصلًا عن هذا السياق، بل جاءت في صلبه، وبنتائج تتجاوز إطارها الزمني القصير. وبهذا المعنى، وضعت الزيارة الحكومة عمليًا أمام اختبار مزدوج: داخليًا، لجهة إعادة تثبيت حضور الدولة في منطقة لطالما أُدير ملفها خارج المؤسسات الرسمية، وخارجيًا، في ما يتصل بقدرة السلطة السياسية على تقديم نفسها كشريك قابل للتعاطي معه في ملف شديد الحساسية أمنيًا وسياديًا.
 
من هنا، لا يمكن مقاربة جولة سلام بوصفها جولة رمزية فقط، على الرغم ممّا انطوت عليه من رسالة سياسية باتجاه الداخل الجنوبي، ولا التعامل معها كخطوة تنفيذية مكتملة، ولو أنّ هناك من أرادها محاولة لطمأنة الخارج بشأن “عودة الدولة”. فهي تقع في منطقة وسطى بين الرغبة السياسية في تثبيت دور الدولة، والواقع الميداني الذي يفرض حدودًا واضحة على القدرة الحكومية، ويبدو واضحًا أنّ الفجوة بين الأمرين لا تزال كبيرة…
 
حضور الدولة بين الخطاب والقدرة
 
في الشكل، حرص سلام على أن تكون جولته مشبعة بالرسائل الرمزية، فهو تفقد القرى الحدودية، وأطلق الوعود بإعادة الإعمار، كما حرص على أن يؤكد أن “الدولة موجودة لتبقى لا لتزور وترحل”. وبهذا الخطاب، أراد الرجل أن يعبّر عن توجّه سياسي واضح يسعى إلى إعادة الاعتبار للدور الرسمي بعد مرحلة طويلة من تراجع الحضور الحكومي في الجنوب، سواء بفعل الانقسامات الداخلية أو بفعل المعادلات الأمنية المفروضة.
 
غير أن مضمون الزيارة كشف سريعًا عن معضلة أعمق، لا يمكن اختزالها بمشروع هنا أو هناك. فالدولة التي تتعهّد بإعادة الإعمار هي نفسها دولة تعاني من عجز مالي بنيوي، وإدارة عامة مثقلة، وقدرة تنفيذية محدودة، واعتمادًا متزايدًا على المساعدات الخارجية، التي باتت “مشروطة” بصورة أو بأخرى. وهو ما يجعل الوعود الحكومية، في هذه المرحلة، أقرب إلى إعلان نيات سياسي منها إلى خطة قابلة للتنفيذ ضمن مهلة واضحة.
 
في هذا الإطار، بدت الزيارة أقرب إلى محاولة تثبيت “مرجعية الدولة” في الجنوب، أكثر منها إعلانًا عن خطة متكاملة، أو ربما محاولة لإعادة وصل سياسي مع الجنوب أكثر منها إطلاق مسار عملي متكامل، فالخطاب كان عالي السقف، لكن الأدوات لا تزال محدودة، ما يجعل الزيارة خطوة ضرورية سياسيًا لإعادة تثبيت المرجعية الرسمية، لكنها لا تكفي وحدها لتغيير المعادلة القائمة ما لم تُستكمل بإجراءات ملموسة تتجاوز منطق الزيارات والبيانات.
 
الامتحان الأصعب
 
وعلى هامش جولة سلام إلى الجنوب، يُستحضَر الهاجس الأمني في السياق القائم، الذي لم تكن زيارة رئيس الحكومة منفصلة عنه، بل في ذروته. فالتزامن بين الزيارة وتصاعد الخروقات الإسرائيلية، وصولًا إلى العملية الأمنية الخطيرة التي سُجّلت فجرًا مع توغّل إسرائيلي واختطاف مسؤول في الجماعة الإسلامية، أعاد طرح السؤال الجوهري حول قدرة الدولة على فرض سيادتها، لا الاكتفاء بتأكيدها سياسيًا.
 
هذا التطور الأمني شكّل عمليًا اختبارًا مباشرًا للرسائل التي حملتها الجولة، سواء على مستوى حضور الدولة، أو قدراتها الميدانية. ففي الوقت الذي كان يُعاد فيه التأكيد على “عودة الدولة إلى الجنوب”، الأمر الذي كان يفترض بالجولة أن تكرّسه عمليًا، جاءت الوقائع الميدانية لتُظهر أن ميزان السيطرة على الأرض لا يزال هشًا، وأن القرار الأمني في الجنوب يبقى خاضعًا لتوازنات تتجاوز قدرة الحكومة على التحكم بها.
 
هكذا، تجد الحكومة نفسها أمام معادلة دقيقة: الإصرار على خطاب سيادي مطلوب داخليًا ودوليًا، لكن من دون الانزلاق إلى وعود أمنية لا تملك أدوات تنفيذها. هي معادلة صعبة تجعل من كل تحرّك رسمي في الجنوب خطوة محسوبة، لكنها في الوقت نفسه تضع سقفًا واضحًا لما يمكن تحقيقه في المدى المنظور، خصوصًا في ظل استمرار ربط الملف الجنوبي بحسابات إقليمية ودولية، قد يُبنى عليها الكثير.
 
في الخلاصة، شكّلت زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى الجنوب محطة سياسية ذات دلالات واضحة، لكنها كشفت في الوقت نفسه حدود الدور الحكومي في المرحلة الراهنة. فالخطاب السياسي يعبّر عن إرادة استعادة الدولة لدورها، لكن الواقع الأمني والمالي يفرض إيقاعًا مختلفًا لا يمكن تجاوزه. وبين هذه العناوين، تبقى الحكومة أمام اختبار مفتوح: إما ترجمة الخطاب إلى سياسة تدريجية واقعية، أو الاكتفاء بإدارة التوازنات بانتظار تسويات أكبر من قدرتها على إنتاجها.