سرقات المنازل في الضاحية الجنوبية.. وجهٌ آخر للحرب

لم يعد النزوح من الضاحية الجنوبية لبيروت يعني فقط الهروب من الخطر المباشر، بل صار يرتبط أيضاً بخوف آخر يتسلّل إلى البيوت الفارغة ألا وهي السرقة. ففي ظلّ التهجير الذي فرضته الحرب، برزت في بعض المناطق حالات تعدّ على منازل تركها أصحابها على عجل، فيما أظهرت مقاطع مصوّرة توقيف عدد من الأشخاص المشتبه في تورّطهم بعمليات سرقة، ما فتح الباب أمام نقاش أوسع يتجاوز الحادثة نفسها، ليصل إلى معنى الانفلات الذي يتسلّل إلى المجتمعات المنهكة تحت ضغط الحرب والأزمة.

ميدانيا، فإنّ إخلاء عدد من الأبنية والمناطق السكنية خلال فترة قصيرة وفّر بيئة مناسبة لوقوع تعديات على الممتلكات، خصوصاً في الأحياء التي شهدت حركة نزوح واسعة. فغياب السكان عن منازلهم، وتراجع الحركة اليومية في بعض الشوارع، ساهما في إضعاف الرقابة الطبيعية التي يفرضها وجود الأهالي، ما فتح المجال أمام حصول سرقات في عدد من المواقع.
وفي هذا السياق، يقول مصدر عسكري متابع لـ”لبنان24″ إنّ ما حصل لا يمكن فصله عن الظروف الاستثنائية التي فرضتها الحرب، لأنّ أي منطقة تشهد نزوحاً واسعاً تصبح أكثر عرضة للخلل الأمني، ولا سيما في ما يتعلق بالممتلكات الخاصة. ويشير المصدر إلى أن التحدي في مثل هذه الحالات لا يقتصر على ملاحقة السارقين بعد وقوع الجريمة، بل يبدأ من منع استغلال الفراغ الذي يخلّفه النزوح.

ويعكس هذا الواقع جانباً من الضغط الذي تفرضه الحرب على المجتمع المحلي، إذ لا يقتصر تأثيرها على القصف والدمار والخسائر البشرية، بل يمتد أيضاً إلى تفاصيل الحياة اليومية للناس. فالعائلات التي اضطرت إلى مغادرة منازلها بشكل مفاجئ باتت تواجه هاجساً إضافياً يتعلق بمصير بيوتها ومحتوياتها، ما يزيد من حجم القلق الاجتماعي في بيئة تعيش أساساً تحت ضغط أمني واقتصادي كبير.

كما أن هذه الحوادث تكشف مشكلة أوسع ترتبط بتداخل العاملين الأمني والاجتماعي. ففي الأزمات الكبرى، تظهر عادة حالات استغلال واضحة للفوضى، سواء من خلال السرقات أو التعديات أو محاولات الاستفادة من غياب أصحاب المنازل. وهذا الأمر لا يرتبط فقط بضعف الردع، بل أيضاً بالوضع الاقتصادي المتدهور الذي يدفع بعض الأفراد إلى الانخراط في أعمال جرمية، مستفيدين من الظروف الاستثنائية التي تمر بها المناطق المتضررة.

ومن الناحية الاجتماعية، فإن سرقة منازل المهجرين تترك أثراً مضاعفاً، لأنّ الضرر هنا لا يتوقف عند الخسارة المادية. فالمسكن بالنسبة إلى العائلات النازحة ليس مجرد ملكية خاصة، بل يشكل نقطة الاستقرار الوحيدة المتبقية لها وسط الحرب. ولذلك، فإن أي اعتداء عليه يفاقم شعور الناس بفقدان الأمان، ويعزز الإحساس بأن الحرب لا تستهدف فقط المناطق، بل أيضاً حياة السكان واستقرارهم.

وتطرح هذه الظاهرة في المقابل أسئلة جدية حول مستوى الحماية المطلوبة في المناطق التي تشهد نزوحاً واسعاً، وحول ضرورة التعامل مع أمن الأحياء السكنية بوصفه جزءاً من إدارة الأزمة، لا ملفاً ثانوياً. فحماية الممتلكات في ظروف الحرب لا تقل أهمية عن ضبط الوضع الميداني، لأنّ أي تهاون في هذا الجانب يهدد بمزيد من الفوضى ويضاعف الأعباء على السكان.

في المحصلة، تكشف حوادث السرقة في الضاحية الجنوبية أن الحرب لا تنتج فقط أضراراً مباشرة، بل تفتح أيضاً الباب أمام أزمات داخلية جديدة تتصل بالأمن الاجتماعي وحماية الممتلكات. وبين النزوح القسري والظروف الاقتصادية الصعبة وظهور حالات استغلال واضحة، يبدو أن هذه القضية مرشحة لأن تتحول إلى ملف ضاغط يحتاج إلى متابعة أمنية جدية ومعالجة سريعة لمنع تفاقمه.